وكما كتب يزيد بن الوليد المعروف بالناقص إلى مروان بن محمد - وقد بلغه عنه تلكَّؤ في بيعته :
« أما بعد ، فإنّي أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى ، فإذا أتاك كتابي فاعتمد على أيّهما شئت والسّلام » .
قلت : ولم يزل الأمر في المكاتبات في الدولة الأمويّة جاريا على سنن السّلف ، إلى أن ولي الوليد بن عبد الملك ، فجوّد القراطيس ، وجلَّل الخطوط ، وفخّم المكاتبات ، وتبعه من بعده من الخلفاء على ذلك ، إلا عمر بن عبد العزيز ، ويزيد بن الوليد المقدّم ذكره ، فإنهما جريا في ذلك على طريقة السلف . ثم جرى الأمر بعدهما على ما سنّه الوليد بن عبد الملك ، إلى أن صار الأمر إلى مروان بن محمد آخر خلفائهم ، وكتب له عبد الحميد ( 1 ) بن يحيى - وكان من اللَّسن والبلاغة على ما اشتهر ذكره - فأطال الكتب وأطنب فيها ، حيث اقتضى الحال تطويلها والإطناب فيها ، حتّى يقال : إنه كتب كتابا عن الخليفة جاء وقر جمل ، واستمر ذلك فيما بعده .
الطرف الثالث ( في الكتب الصادرة عن خلفاء بني العبّاس ببغداد وولاة العهد بالخلافة ، وفيه ثلاث جمل )
الجملة الأولى ( في بيان ترتيب كتبهم في الرسائل على سبيل الإجمال )
كانوا يفتتحون أكثر كتبهم بلفظ « من فلان إلى فلان » وتارة ب « أما بعد »
هامش
( 1 ) هو عبد الحميد الكاتب البليغ المشهور ، وضرب به المثل في البلاغة حتى قيل : فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد ، كان إماما في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب . وهو أول من استعمل التحميدات في فصول الكتب . كان كاتب مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية . قتل مع مروان سنة 132 ه بالديار المصرية . أنظر وفيات الأعيان ( ج 3 ص 228 - 232 ) والأعلام ( ج 3 ص 289 - 290 ) .