يتضمّن معنى الدوام والبقاء ، نحو « أطال اللَّه بقاءك » و « نسأ أجلك » و « أمتع بك » وما أشبه ذلك ، لم تجز المكاتبة به .
واحتجّ لذلك بحديث عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه « أنّ أمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، زوج النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قالت : اللهمّ ، أمتعني بزوجي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية - فقال لها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : لقد دعوت لآجال مضروبة ، وأرزاق مقسومة لا يتقدّم منها شيء قبل أجله ولا يتأخّر بعد أجله ، ولو سألت اللَّه أن يقيك عذاب النار لكان خيرا لك » . وبما روي أن الزّبير بن العوّام ، رضي اللَّه عنه ، قال للنّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « جعلني اللَّه فداك » فقال له النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم :
« أما تركت أعرابيّتك بعد » ؟ فقد أنكر صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على أمّ حبيبة والزبير الدعاء بما فيه طول البقاء . وإذا امتنع ذلك في مطلق الدعاء ، امتنع في المكاتبة من باب أولى ؛ لمخالفة طرقها التي وردت بها السنة . قال حمّاد بن سلمة : كانت مكاتبة المسلمين « من فلان إلى فلان ، أما بعد ، سلام عليك فإني أحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلَّي على محمد عبده وآل محمد » حتّى أحدث الزنادقة - لعنهم اللَّه - هذه المكاتبة التي أوّلها « أطال اللَّه بقاءك » .
وعن إسماعيل بن إسحاق أنّ أوّل من كتب « أطال اللَّه بقاءك » الزنادقة . وقد قال الإمام الرافعيّ وغيره من أئمة أصحابنا الشافعية : إن الدعاء بالطَّليقة - وهي أطال اللَّه بقاءك - لا أصل له في الشرع . قال الشيخ محيي الدين النوويّ : وقد نصّ السلف على كراهته . ونقل النحاس عن بعضهم أنه استحبّ تقييده بالإضافة إلى شيء آخر ، مثل أن يكتب « أطال اللَّه بقاءك في طاعته وكرامته » أو « أطال اللَّه بقاءك في أسرّ عيش وأنعم بال » وما أشبه ذلك .
واعلم أنّ الناس قد اختلفوا في صورة الابتداء بالدعاء ؛ فالأوّلون - لابتداع الدّعاء في المكاتبات - كانوا يفتتحون بطول البقاء للخلفاء وغيرهم ؛ ثم توسّعت الطبقة الثانية من الكتّاب في المكاتبة فافتتحوا بالدعاء للخلفاء والملوك بخلود الملك ، ودوام الأيام ، ودوام السّلطان وخلوده ، وما في معنى ذلك ؛
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 324
مساهمون: أحمد بن علي القلقشندي
ص٣٢٤