تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
أكمل الدعاء وأفخمه ؛ لأنّ كل نعمة لا ينتفع بها إلا مع طول البقاء . ثم قال : والمعنى في الدّعاء في المكاتبات التودّد والتحبّب ؛ وقد أمر صلَّى اللَّه عليه وسلَّم المسلمين أن يكونوا إخوانا ، ومن أخوّتهم ودّ بعضهم بعضا . وكذلك القول بما يؤكَّد الأخوّة بينهم والمودّة من بعضهم لبعض ، وإذا قال له ذلك ، كان قد بلغ من قلبه نهاية مبلغ مثله منه ، ويكون من قال ذلك قد علم من قلبه في شأنه ما يكون من قلب مثله . وقد قال الشيخ محيي الدين النوويّ : من قال لصاحبه - حفظا لمودّة - : « أدام اللَّه لك النّعم » ونحو ذلك فلا بأس به . وأمّا ما لم يتضمن معنى الدوام والبقاء ، كالعزّ والكرامة ، فقد روي عن كعب بن مالك رضي اللَّه عنه أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « من رأى منكم مقتل حمزة ؟ فقلت : أعزّك اللَّه ! أنا رأيته » . وعن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال : دخل جرير بن عبد اللَّه على النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فضنّ الناس بمجالسهم فلم يوسّع له أحد ، فرمى له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ببردته ( 1 ) وقال : اجلس عليها يا جرير ، فتلقّاها بوجهه ونحره فقبّلها ثم ردّها على ظهره وقال : أكرمك اللَّه يا رسول اللَّه كما أكرمتني » فقد دعا له صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كعب بن مالك بالعز ، وجرير بن عبد اللَّه بالكرامة ولم ينكر ذلك على واحد منهما . وذهب آخرون إلى أنه لا تجوز المكاتبة بالدّعاء ، سواء تضمّن معنى الدوام والبقاء أم لا ؛ لأنه خلاف ما وردت به السنة وجرى عليه اصطلاح السّلف . وفصّل بعضهم فقال : « إن كان الدعاء مما لا يتضمّن معنى الدوام والبقاء نحو » أكرمك اللَّه بطاعته « و » تولَّاك بحفظه « و » أسعدك بمعرفته « و » أعزّك بنصره « جاز ؛ لحديثي كعب بن مالك وجرير بن عبد اللَّه المتقدّمين . وإن كان مما
هامش
( 1 ) البردة : ثوب مخطط أو كساء أسود من الصوف يلتحف به والجمع برد .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 323 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين