تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
بمهمّات السلطنة ، فلا بدّ من مخاطبة صاحب ديوان الإنشاء فيها واعتماد ما يبرز به أمره . وما كان منها حقيرا بالنسبة إلى مخاطبة السلطان فيه استقلّ فيه بما يقتضيه رأيه . ثم من ذلك ما يكتب به صاحب الديوان رقاعا ( 1 ) لطيفة بخطه ويعيّنها على الكاتب الذي يكتبها وتدفع إليه لتخلَّد عنده شاهدا له ، كالولايات والمسامحات والإطلاقات والمكاتبات المتعلَّقة بأمور المملكة ونحو ذلك . ومن ذلك ما يبرز به أمر صاحب الديوان مشافهة فيكتبه من غير شاهد عنده ، وذلك في الأمور التي لا درك فيها على الكاتب ، كتقاليد النّوّاب وبعض المكاتبات ، إذ لا تهمة تلحق كاتب الإنشاء في مثل ولاية نائب كبير أو قاض حفيل ؛ لأن مثل ذلك لا يخفى على السلطان ، فأشبه خطاب صاحب الديوان فيها الكاتب خطاب السلطان صاحب الديوان حيث لا شاهد عليه إلا اللَّه تعالى ، بخلاف الأمور التي يلحق كاتبها الدّرك ، فإنه لا بدّ في كتابتها من تخليد شاهد . وكان الواجب أن لا يكتب حقير ولا جليل إلا بشاهد من صاحب الديوان ، فإن الأمور تتراكم وتكثر ، والإنسان معرّض للنسيان ، وربما عرض إنكار بسبب ما يكتبه الكاتب ونسيه صاحب الديوان فيكون الكاتب قد عرّض نفسه لأمر عظيم . ولا يقاس الكاتب على صاحب الديوان في عدم أخذه شاهدا بخطَّ السلطان ، فإن صاحب الديوان هو المتصرّف حقيقة ، والسلطان وكلّ جميع أمور المملكة إليه ، فلا يتّهم في شيء منها ، بخلاف الكاتب . وقد ذكر أبو الفضل الصّوريّ في « تذكرته » أن المكتوب من الديوان إن كان مكاتبة فالواجب أن يكون عنوانها بخط متولَّي الديوان ، وإن كان منشورا فالواجب أن يكون التاريخ بخطَّه ليدلّ على أنه وقف على المكتوب وأمضى حكمه ورضيه ، ويكون ذلك قد قام مقام كتابة اسمه فيه . ثم قال : وقد كان
هامش
( 1 ) الرقاع ، بكسر الراء : جمع رقعة ، وهي القطعة من الورق التي تكتب .
صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 189 | أحمد بن علي القلقشندي / محمد حسين شمس الدين