تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وأورده مع الحضرة الطاهرة ، وجعل دون ذلك أوحد المحقّقين ، فأورده مع الجناب الكريم ؛ ودونه أوحد النّاسكين ، فأورده مع الجناب العالي . قلت : وليس وضع هذه الألقاب على الترتيب في العلوّ والهبوط راجعا إلى مجرّد التّشهّي من غير تقصّ لعلوّ أو هبوط يدلّ عليه جوهر اللفظ ، بل لا بدّ أن يكون لتقدّم كلّ لقب منها على الآخر ورفعته عليه في الرّتبة سبب يقتضيه اللفظ وتوجبه دلالته الظاهرة أو الخفيّة . وما وقع فيها مما يخالف ذلك فلعدم تأمّل الواضع لذلك ، أو وقوعه من بعض المدّعين الظانّين أن القلم في ذلك مطلق العنان ، يتصرّف في وضعه كيف شاء من غير نظر إلى ما يوجب تقديما ولا تأخيرا . ومما يوضّح ذلك ويبيّنه أنك إذا اعتبرت الألقاب المضافة إلى الإسلام المتقدّمة الذكر في أرباب السيوف مثلا ، رأيت أعلاها ركن الإسلام والمسلمين ، على ما هو مذكور في « التعريف » وغيره من سائر دساتير المقرّ الشّهابيّ بن فضل اللَّه ؛ وأعلاها على ما ذكره في « التثقيف » معزّ الإسلام والمسلمين ، ودون ذلك في الرتبة عزّ الإسلام والمسلمين ، ودونه مجد الإسلام والمسلمين ، ودونه مجد الإسلام فقط من غير عطف ، على ما تقدّم ذكره . أمّا كون ركن الإسلام والمسلمين أعلى من عز الإسلام والمسلمين ، فلأنّ ركن الشيء في اللغة جانبه الأقوى ، وقد قال الأصوليّون ( 1 ) : إن الرّكن ما كان داخل الماهيّة ، وحينئذ فيكون ركن الشيء بعضا منه بخلاف العزّ فإنه معنى من المعاني خارج عنه ، وما كان بعضا للشيء كان أخصّ به مما هو خارج عنه . وأما وجه إبدالهم ركن الإسلام والمسلمين بمعزّ الإسلام والمسلمين فلأن في الرّكن معنى العزّ والقوّة ، وقد فسر قوله تعالى حكاية عن لوط عليه السّلام : * ( أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) * ( 2 ) بالعزّ والمنعة ، فجعل المعزّ لهذا الاعتبار في
هامش
( 1 ) الأصوليون : جمع أصوليّ ، وهو العالم المتعمّق في أصول العلوم أو المتمسّك بالأصول . ( 2 ) سورة هود 11 ، الآية 80 .