شرح
العالم بعد معلوميّة أنّ الكعبة هي القبلة ، وهذه الرواية توسعة في استقبالها .
واختصاصه بمن أحرز القبلة وصلَّى إليها ثم انكشف له الخلاف بدعوى قرينيّة قوله « فمن صلَّى إلخ » له . وإجماله من هذه الجهة بلحاظ أنّه نظير أن يقول عليه السّلام « لا صلاة إلَّا بطهور والطَّهور إما الوضوء أو الغسل أو التيمم » فكما لا إطلاق لمثله فيمن يجوز له هذه الطهارات وليس بصدده ، فكذلك فيما نحن فيه .
فحاصل مفاده : أنّ حدّ القبلة الذي لو جاوزه صارت الصلاة باطلة هو هذا الحدّ ، وأمّا أنّه لأيّ مصلّ فليس بصدد بيانه . فمفاد هذا الحديث هو مفاد « لا تعاد » غاية الأمر أنّه عامّ وهذا خاصّ بالقبلة . والأظهر عندي هو هذا المعنى . وعليه : فلا يمكن استفادة التوسعة لكلّ أحد حتى العالم ، بل بضميمته إلى « خبر الجدي » بعد قرب مفاده منه يعلم اختصاصه بالجاهل . هذا بالنسبة إلى من جعل له هذه القبلة .
وأمّا التوسعة المستفادة منه : فنقول : لا إشكال في اختصاص مورد الرواية ومنطوقها بالبلاد التي قبلتها بين المشرق والمغرب ، لكنّ الكلام في المراد بلفظي « المشرق والمغرب » فيحتمل إرادة النقطتين الاعتداليّتين حتى تنتج الرواية جواز الانحراف بمقدار مائة وثمان وسبعين درجة ، لكن إرادتهما مستلزمة لتجويز الاستدبار عرفا في بعض الأحيان ، وهو لا يفهم منه ، مع أنّ تعيين النقطتين لغالب الناس إذا ابتلوا صعب عسير لعلَّه أعسر من تعيين القبلة ( 1 ) . ويحتمل إرادة المشرق( 1 ) فيه أن المفهوم من الرواية عرفا لزوم أن يكون متوجها إلى ما بين المشرق والمغرب - أي بحيث لا يصدق عليه أنه إلى المشرق أو إلى المغرب - وصدق هذا المعنى موجب لعدم استلزام إرادة هذا المعنى للاستدبار وان استلزم الانحراف بأزيد من اليمين واليسار . وبما ذكرنا يظهر سهولة فهم وتشخيص مصداقه وان كان له بعض أفراد مشكوكة .
لكن الحق أن العرف لا يفهم من لفظ « المشرق » أو المغرب » هذه النقطة الدقيقة ، بل هو عنده أوسع من ذلك وان لم يكن الأمر كما أفاده « السيد الأستاذ » أيضا ، فإن الظاهر أن العرف يرى مقدارا نفس المشرق ومقدارا نفس الجنوب والمغرب ومقدارا بين الجنوب والمشرق أو المغرب ، وعد جميع الابنية الواقعة في طرف لا يستلزم ما رامه بعد كونها واقعة إلى نقطة واحدة ، كما لا يخفى على المتدبر .
ثم إن المفهوم من الرواية عرفا أن الشارع بصدد تجويز الانحراف إلى طرف القبلة بمقدار واحد لا أنه يجوز في طرف درجات طفيفة وفي الأخر أكثر من مائة ، كما قد يتفق في مثل بلادنا لمن انحرف إلى المشرق ، فبهذه الملاحظة الحديث مختص ببلد قبلتها نقطة الجنوب وأطرافها ، وبعد رعاية أن لا يكون عرفا إلى المشرق والمغرب لا يدل الحديث على أزيد من المسامحة العرفية إلا بنحو درجات قليلة ، فتدبر ( منه عفى عنه ) .