حمله ذلك على محبته واعتقاده ومما وقع له أن رجلا من دمشق فرض على نفسه أن يلعنه كل يوم عشر مرات فمات وحضر ابن عربي جنازته ثم رجع فجلس ببيته وتوجه للقبلة فلما جاء وقت الغداء أحضر إليه فلم يأكل ولم يزل على حاله إلى بعد العشاء فالتفت مسرورا وطلب العشاء وأكل فقيل له في ذلك فقال التزمت مع الله أني لا آكل ولا أشرب حتى يغفر لهذا الذي يلعنني وذكرت له سبعين ألف لا إله إلا الله فغفر له وقد أوذي الشيخ كثيرا في حياته وبعد مماته بما لم يقع نظيره لغيره وقد أخبر هو عن نفسه بذلك وذلك من غرر كراماته فقد قال في الفتوحات كنت نائما في مقام إبراهيم وإذا بقائل من الأرواح أرواح الملأ الأعلى يقول لي عن الله أدخل مقام إبراهيم أنه كان أواها حليما فعلمت أنه لا بد أن يبتليني بكلام في عرضي من قوم فأعاملهم بالحلم قال ويكون أذى كثيرا فإنه جاء بحليم بصيغة المبالغة ثم وصفه بالأواه وهو من يكثر منه التأوه لما يشاهد من جلال الله انتهى وقال الصفي بن أبي منصور جمع بن عربي بين العلوم الكسبية والعلوم الوهبية وكان غلب عليه التوحيد علما وخلقا وخلقا لا يكترث بالوجود مقبلا كان أو معرضا وقال تلميذه الصدر القونوي الرومي كان شيخنا ابن عربي متمكنا من الاجتماع بروح من شاء من الأنبياء والأولياء الماضين على ثلاثة أنحاء إن شاء الله استنزل روحانيته في هذا العالم وأدركه متجسدا في صورة مثالية شبيهة بصورته الحسية العصرية التي كانت له في حياته الدنيا وإن شاء الله أحضره في نومه وإن شاء انسلخ عن هيكله واجتمع به وهو أكثر القوم كلاما في الطريق فمن ذلك ما قال ما ظهر على العبد إلا ما استقر في باطنه فما أثر فيه سواه فمن فهم هذه الحكمة وجعلها مشهودة أراح نفسه من التعلق بغيره وعلم أنه لا يؤتي عليه بخير ولا شر إلا منه وأقام العذر لكل موجود وقال إذا ترادفت عليك الغفلات وكثرة النوم فلا تسخط ولا تلتفت لذلك فإن من نظر الأسباب مع الحق أشرك كن مع
شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 196
مساهمون: عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
ص١٩٦