أسعى لرزق في البلاد مشتت * ومن العجائب أن يكون مقترا
وأصون وجه مدائحي متقنعا * وأكف ذيل مطامعي متسترا
ومنها يشكو الغربة وما قاساه :
أشكو إليك نوى تمادى عمرها * حتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى * يعفو ولا جفني يصافحه الكري
أضحى عن الأحوى المريع محولا * وأبيت عن ورد النمير منفرا
ومن العجائب أن يقيل بظلكم * كل الورى ونبذت وحدي بالعرا
وهذه القصيدة من أحسن الشعر وهي عندي خير من قصيدة ابن عمار الأندلسي التي أولها :
* أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى *
فلما وقف عليها الملك العادل أذن له في الدخول إلى دمشق فلما دخلها قال :
هجوت الأكابر في جلق * ورعت الوضيع بسب الرفيع
وأخرجت منها ولكنني * رجعت على رغم أنف الجميع
وكان له في عمل الألغاز وحلها اليد الطولى ومتى كتب إليه شيء منها حله في وقته وكتب الجواب أحسن من السؤال نظما ولم يكن له غرض في جمع شعره فلهذا لم يدونه فهو يوجد مقاطيع بأيدي الناس وقد جمع له بعض أهل دمشق ديوانا صغيرا لا يبلغ عشر ماله من النظم ومع هذا ففيه أشياء ليست له وكان من أظرف الناس وأخفهم روحا وأحسنهم مجونا وله بيت عجيب من جملة قصيدة يصف فيها توجهه إلى المشرق وهو :
أشقق قلب الشرق حتى كأنني * أفتش في سودائه عن سنا الفجر
وكان وافر الحرمة عند الملوك وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك المعظم ومدة ولاية الملك الناصر بن المعظم وانفصل منها لما ملكها الملك الأشرف ولم يباشر بعدها خدمة وتوفى عشية نهار الاثنين العشرين من شهر ربيع الأول ودفن من الغد بمسجده الذي أنشأه بأرض المزة وقيل بتربة
شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 142
مساهمون: عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
ص١٤٢