بلاد بربر وأجلاف العربان فجعلوا يحسنون له أخذ الأندلس ويوغرون قلبه على المعتمد بأشياء نقلوها عنه فتغير عليه وقصده فلما انتهى إلى سبتة جهز إليه العساكر وقدم عليها سيرين بن أبي بكر الأندلسي فوصل إلى إشبيلية وبها المعتمد فحاصره أشد محاصرة وظهر من مصابرة المعتمد وشدة بأشه وتراميه على الموت بنفسه ما لم يسمع بمثله والناس بالبلد قد استولى عليهم الفزع وخامرهم الجزع يقطعون سبلها سياحة ويخوضون نهرها سباحة ويترامون من شرفات الأسوار فلما كان يوم الأحد عشرى رجب سنة أربع وثمانين هجم عسكر الأمير يوسف البلد وشنوا فيه الغارات ولم يتركوا لأحد شيئا وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأيديهم وقبض على المعتمد وأهله وكان قد قتل له ولدان قبل ذلك أحدهما المأمون كان ينوب عن والده في قرطبة فحصروه بها إلى أن أخذوه وقتلوه والثاني الراضي كان أيضا نائبا عن أبيه في رندة وهي من الحصون الممتنعة فنازلوها وأخذوها وقتلوا الراضي ولأبيهما المعتمد فيهما مراث كثيرة وبعد ذلك جرى بإشبيلية على المعتمد ما ذكرناه ولما أخذ المعتمد قيدوه من ساعته وجعل مع أهله في سفينة قال ابن خاقان في قلائد العقيان ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت وضمتهم كأنهم أموات بعد ما ضاق عنهم القصر وراق منهم العصر والناس قد حشروا بضفتي الوادي وبكوا بدموع الغوادي فساروا والنوح يحدهم والبوح باللوعة لا يحدوهم وفي ذلك يقول ابن اللبانة :
تبكي السماء بدمع رائح غاد * على البهاليل من أبناء عباد
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ * في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد
وقال في هذه الحال وصفتها ابن حمد يس الصقلي :
ولما رحلتم بالندى في أكفكم * وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت * فهذي الجبال الراسيات تسير
شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 387
مساهمون: عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
ص٣٨٧