ابن علي النيسابوري المعروف بالدقاق وأقبل عليه وتفرس فيه النجابة وجذبه بهمته وأشار عليه بالاشتغال بالعلم فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر الطوسي وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه ثم اختلف إلى الأستاذ أبي إسحاق الأسفرائيني وقعد يسمع درسه أياما فقال له الأستاذ هذا العلم لا يحصل بالسماع ولا بد من الضبط بالكتابة فأعاد عليه جميع ما سمعه في تلك الأيام فعجب منه وعرف محله فأكرمه وقال له ما تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطالع مصنفاتي فقعد وجمع بين طريقته وطريقة ابن فورك ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر الباقلاني وهو مع ذلك يحضر مجلس أبي علي الدقاق وزوجة ابنته مع كثره أقاربها وبعد وفاة أبي علي سلك مسلك المجاهدة والتجريد وأخذ في التصنيف وسمع من جماعة مشاهير الحديث ببغداد والحجاز وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء وأما مجالس الوعظ والتذكير فهو أمامها وعقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وذكره الباخرزي في كتاب دميه لقصر فقال لو قرع الصخر بسوط تحذيره لذاب ولو ربط إبليس في مجلسه لتاب وذكره الخطيب في تاريخه وقال قدم علينا يعنى إلى بغداد في سنة ثمان وأربعين وحدث ببغداد وكتبنا عنه وكان ثقة وكان يقص وكان حسن الموعظة مليح الإشارة وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري والفروع على مذهب الشافعي ومن شعره :
سقى الله وقتا كنت أخلو بوجهكم * وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك
أقمنا زمانا والعيون قريرة * وأصبحت يوما والجفون سوافك
وفي رسالته بيتان حسنان وهما :
ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة * فأني من ليلى لها غير ذائق
وأكثر شيء نلته من وصالها * أماني لم تصدق كخطفة بارق
وكان والده أبو نصر عبد الرحيم إماما كبيرا أشبه أباه في علومه ومجالسه
شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 321
مساهمون: عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
ص٣٢١