تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
حال ابتدأ أمره بالتزين بزي آبائه وهو الثياب المذهبة والفاخرة والعمائم المنظومة بالجواهر النفيسة وركوب السروج الثقيلة المصوغة ثم بدا له بعد ذلك وتركه على تدريج بأن انتقل منه إلى المعلم غير المذهب ثم زاد الأمر به حتى لبس الصوف وركب الحمر وأكثر من طلب أخبار الناس والوقوف على أحوالهم وبعث المتجسسين من الرجال والنساء فلم يكن يخفى عليه رجل ولا امرأة من حواشيه ورعيته وكان مؤاخذا بيسير الذنب لا يملك نفسه عند الغضب فأفنى رجالا وأباد أجيالا وأقام هيبة عظيمة وناموسا وكان يقتل خاصته وأقرب الناس إليه وربما أمر بإحراق بعضهم وربما أمر بحمل بعضهم وتكفينه ودفنه وبناء تربة عليه وألزم كافة الخواص بملازمة قبره والمبيت عنده وأشياء من هذا الجنس يموه بها على أصحاب العقول السخيفة فيعتقدون أن له في ذلك أغراضا صحيحة ومع هذا القتل العظيم والطغيان المستمر يركب وحده منفردا تارة وفي الموكب أخرى وفي المدينة طورا وفي البرية آونة والناس كافة على غاية الهيبة والخوف منه والوجل لرؤيته وهو بينهم كالأسد الضاري فاستمر أمره كذلك مدة ملكه وهو نحو إحدى وعشرين سنة حتى عن له أن يدعى الآلهية ويصرح بالحلول والتناسخ ويحمل الناس عليه وألزم الناس بالسجود مرة إذا ذكر فلم يكن يذكر في محفل ولا مسجد ولا على طريق إلا سجد من يسمع ذكره وقبل الأرض إجلالا له ثم لم يرضه ذلك حتى كان في شهر رجب سنة تسع وأربعمائة ظهر رجل يقال له حسن بن حيدرة الفرغاني الأخرم يرى حلول الإله في الحاكم ويدعو إلى ذلك ويتكلم في إبطال الثواب وتأول جميع ما ورد في الشريعة فاستدعاه الحاكم وقد كثر تبعه وخلع عليه خلعا سنية وحمله على فرس مسرج في موكبه وذلك في ثاني رمضان منها فبينما هو يسير في بعض الأيام تقدم إليه رجل من الكرخ على جسر طريق المقياس وهو في الموكب فألقاه عن فرسه ووالى العرب عليه حتى قتله فارتج الموكب وأمسك الكرخي فأمر به فقتل