الأولى : ما الحكمة في غيبته مع عموم الجور والظلم وظهوره ؟
والثانية : ما وجه الانتفاع به والاهتداء مع أنه على زعمكم أنه لا غناء
للعالم بغير معصوم لذلك ؟ قلنا :
أما عن الأولى فنقول : وقع نحوه في الأمم في غيبات الأنبياء ، وخفائهم عن
الخلق ، والحكمة الموجبة لها هناك [ جارية ] هنا ، بل في الأمة الأخيرة هنا أقوى
وأشد من تلك الملل ، لقيام الدواعي من [ أبخرة ] الحجب والموانع كلما قرب
انقضاء دولة أهل النظرة ، وظهور التمييز أشد منه فيما سبق ، وهي في وقته أقوى
وأشد من وقت آبائه ( عليهم السلام ) ، لما ثبت عندهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من انقضاء
دولتهم ، وإبادتها على يده ، وأنه يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا ،
فلو ظهر قبل أن يأمر الله تعالى بحضور الوقت وزوال الموانع لزمه السكوت ، أو
يقتل ويختل النظام ، ولا يمكنه الجهاد لعدم استجماع شروطه ، وعدم زوال الموانع
فوقع نحوه من الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وسائر الأنبياء ، وآبائه ( عليهم السلام ) وقال تعالى : * ( لو
تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) * ( 1 ) .
ونحوه وقع من الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عام الصلح مع أهل مكة مع ما هو عليه من
القوة والعدة ، والإشكال والدفع مشتركان ، وهذا السبب والموجب قائم بحسب
الوقت والأناسي ، ومجرد الشريعة المحمدية من استتمام حكم التنزيل الموجب ،
ومجئ التأويل ، وكمال توفية النظرة لإبليس لعنه الله تتميما للحجة عليه ،
وإعلاء لها .
وهذا الوجه كفاية لمن عقل وفهم ، فمنه يستبين إيجاد الوجود لها مع ما فيها
هامش
( 1 ) الفتح : 25 .