الرأي الحقّ . فقسم يتوفّر فيه على عبادة اللَّه ومناجاته وهذا القسم هو المطلوب الأوّل ، وقسم يصلح فيه ما لابدّ منه في تحصيل القسم الأوّل من معاشه ، وقسم يخلَّى فيه بين نفسه ولذّاتها المباحة الَّتي يجمل ويحسن دون المحرّمة والمباحة المستهجنة . وهذان القسمان مرادان للأوّل إذ لا يمكن بدونهما .
وقوله : وليس للعاقل . إلى آخره . أي ليس له بحسب مقتضى العقل العمليّ أن يستعمل نفسه إلَّا في الأمور الثلاثة .
371 - وقال عليه السّلام :
ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُبَصِّرْكَ اللَّهُ عَوْرَاتِهَا - ولَا تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَ
لمّا كانت محبّة الدنيا مستلزمة لاستتار عيوبها عن إدراك محبّيها كما قيل : حبّك الشيء يعمى ويصمّ . كان بغضها والزهد فيها رافعا لذلك الستر كاشفا لما تحته من عيوبها وعوراتها فأمر بالزهد فيها لهذه الغاية المنفّرة عنها . ثمّ نفّر عن الغفلة فيها عمّا ورائها بضمير صغراه قوله : فلست بمغفول عنك ، وتقدير الكبرى : وكلّ من ليس بمغفول فلا ينبغي أن يغفل عمّا يراد به .
372 - وقال عليه السّلام :
تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ
وقد مرّ تفسير هذه الكلمة ، لكنّه جعلها هنا صغرى ضمير رغَّب به في الكلام عند الحاجة لغاية أن يعرفها المتكلَّم ، وتقدير الكبرى : وكلّ من كان مخبوءا تحت لسانه فينبغي أن يظهر نفسه في كلامه ليعرف .
373 - وقال عليه السّلام :
خُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ - وتَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ - فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ
أمر بالقناعة أوّلا بما تيسّر من الدنيا لمن تمكَّن منها وقوى عليها ، وبالإجمال في الطلب لمن لم يتمكَّن منها . والإجمال في طلب الدنيا طلبها برفق من الوجه الَّذي
شرح نهج البلاغة — صفحة 437
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤٣٧