وأقول : أراد أنّ الإيمان وهو التصديق بوجود الصانع تعالى أوّل ما يكون في النفس يكون حالة ثمّ لا يزال يتأكَّد بالبراهين والأعمال الصالحة إلى أن يصير ملكة تامّة ، ولفظ اللمظة استعارة لما يبدو من نور الإيمان في النفس أوّل كونه ملاحظة لشبهه باللمظة من البياض والنكتة من نور الشمس . ونصب لمظة على التمييز .
والجحفلة من الفرس هي المسمّاة من الإنسان شفة .
6 - وفى حديثه عليه السّلام :
إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدَّيْنُ الظَّنُونُ - يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ لِمَا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ
فالظنون الذي لا يعلم صاحبه أيقضيه من الذي هو عليه أم لا ، فكأنه الذي يظن به فمرة يرجوه ومرة لا يرجوه . وهذا من أفصح الكلام ، وكذلك كل أمر تطلبه ولا تدرى على أي شيء أنت منه فهو ظنون وعلى ذلك قول الأعشى
ما يجعل الجد الظَّنون الَّذي * جنّب صوب اللَّجب الماطر
مثل الفراتيّ إذا ما طاما * يقذف بالبوصي والماهر
والجد : البئر والظنون : التي لا يعلم هل فيها ماء أم لا . قيل : يقول عليه السّلام : إذا كان لك مثلا عشرون دينارا دينا على رجل ، وقد أخذها منك ووضعها كما هي من غير تصرّف فيها وأنت تظنّ إن استرددتها منه ردّها إليك فإذا مضى عليها أحد عشر شهرا واستهلّ هلال الثاني عشر وجبت زكاتها عليك . واللجب في قول الأعشى هو السحاب المصوّت ذو الرعد . وأراد بالفراتيّ الفرات ، والياء للتأكيد كقولهم : والدهر بالإنسان دواريّ : أي دوّار . ويحتمل أن يريد نهر الفراتيّ . والبوصيّ : ضرب من صغار السفن . والماهر : السابح ، ومراده أنّه لا يقاس البئر الَّذي يتشكَّك هل فيه ماء أم لا لبعده بالفرات إذا ماطما . وهو كالمثل لعدم مساواة البخيل للكريم .
شرح نهج البلاغة — صفحة 374
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٧٤