إنّ اللَّه سبحانه جعل للإنسان قوّة استعداد لأن يصبر بمقدار مصيبته فمن تمّ استعداده أفيض عليه ذلك المقدار من الصبر ومن قصر في الاستعداد لحصول هذه الفضيلة وارتكب ضدّها وهو الجزع حبط أجره وهو ثوابه على الصبر ، وكنّى عن الجزع بما يلزمه في العادة من ضرب اليدين على الفخذين . وقيل : بل يحبط ثوابه السابق لأنّ شدّة الجزع يستلزم كراهيّة قضاء اللَّه وسخطه وعدم الالتفات إلى ما وعد به من ثواب الصابرين وهو معدّ لمحو الحسنات من لوح النفس وسقوط ما يلزمها من ثواب الآخر :
132 - وقال عليه السّلام :
كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ والظَّمَأُ - وكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ والْعَنَاءُ - حَبَّذَا نَوْمُ الأَكْيَاسِ وإِفْطَارُهُمْ
أراد بذلك من أخلّ بشرط من شرائط صيامه وقيامه ولم يأت على وجه الإجزاء ، وأعظم شرط لهما توجّههما إلى المعبود الحقّ عزّ سلطانه ، وكثرة خلل العبادة وفسادها من كثير من الخلق إنّما يكون للجهل بهذا الشرط . وكنّى بالقيام عن الصلاة . وإنّما مدح نوم الأكياس لأنّ الكيّس هو الَّذي يستعمل ذكاه وفطنته في طرق الخير وعلى الوجه المرضىّ للشارع ويضع كلّ شيء موضعه . ومن كان كذلك كان نومه وإفطاره وجميع تصرّفاته في عباداته موضعة موضعها من رضاء اللَّه ومحبّته .
133 - وقال عليه السّلام :
سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ وحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ - وادْفَعُوا أَمْوَاجَ الْبَلَاءِ بِالدُّعَاءِ
سوسوا : أي املكوا .
وذلك أنّ الصدقة من الإيمان التامّ مملكه وحفظه لا يكون بدونها ، وأمّا تحصين المال بالزكاة فلأنّ منعها إنّما يكون عن البخل وشدّة
شرح نهج البلاغة — صفحة 320
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٢٠