إنّما قال : أربعا وأربعا لأنّ الأربع الأوّل من باب واحد وهو اكتساب الفضائل الخلقيّة النفسانيّة ، والأربع الثانية من باب المعاملة مع الخلق . وقيل : لأنّ الأولى من باب الإثبات والثانية من باب النفي . أمّا الأربع الأولى : فالأولى : العقل ، وأراد المرتبة الثانية من مراتب العقل النظريّ المسمّى عقلا بالملكة وهو أن يحصل لنفسه من العلوم البديهيّة والحسيّة والتجربيّة قوّة أن يتوصّل بها إلى العلوم النظريّة ، وغاية ذلك أن يحصل على ما بعد هذه المرتبة من مراتب العقل . ورغَّب فيه بكونه أغنى الغنى وذلك أنّ به يحصل الدنيا والآخرة فهو أعظم أسباب الغنى وفيه الغنى .
الثانية : الحمق وهو رذيلة الغباوة وطرف التفريط من العقل المذكور ونفّر عنه بكونه أكبر الفقر لأنّه سبب للفقر من الكمالات خصوصا النفسانيّة الَّتي بها الغنى التامّ فكان أكبر فقر .
الثالثة : العجب وهو رذيلة الكبر ، وتضادّ التواضع . ونفّر عنها بكونها أوحش الوحشة . وظاهر كونها أقوى أسباب الوحشة ونفرة الأنيس لأنّ تواضع المتواضع لمّا استلزم أُنس الخلق به وشدّة ميلهم إليه كان ضدّة مستلزما لنفرتهم وتوحّشهم التامّ منه . الرابعة : حسن الخلق ورغَّب فيه بكونه أكرم الحسب لكونه أشرف الكمالات الباقية . وهذه المنفّرات والمرغَّبات صغريات ضماير . وأمّا الأربع الثانية : الأولى : الحذر من مصادقة الأحمق . ونفرّ عنه بما يلزم حمقه من وضع المضرّة موضع المنفعة عند إرادتها لعدم الفرق بينهما . الثانية : الحذر من مصادقة البخيل . ونفّر عنه بما يستلزم بخله من قعوده عن صاحبه عند الحاجة . و - أحوج - حال من الضمير في عنك . الثالثة : الحذر من مصادقة الفاجر . والفجور رذيلة الإفراط من فضيلة العفّة ونفّر عنه بما يلزم فجوره من قلَّة وفائه وبيعه بالتافه وهو القليل من المال .
شرح نهج البلاغة — صفحة 262
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٦٢