الكمال حاصلا لها باليقين البرهانيّ . ومنها عمليّة وهى استكمال النفس بملكة العلم بوجوه الفضائل النفسانيّة الخلقيّة وكيفيّة اكتسابها ، ووجوه الرذائل النفسانيّة وكيفيّة الاحتراز عنها واجتنابها ، وظاهر أنّ العلم الَّذي صار ملكة هو اليقين . وعبّر عن العفّة بالصبر . والعفّة هي الإمساك عن الشره في فنون الشهوات المحسوسة وعدم الانقياد للشهوة وقهرها وتصريفها بحسب الرأي الصحيح ومقتضى الحكمة المذكورة ، وإنّما عبّر عنها بالصبر لأنّها لازم من لوازمه .
إذ رسمه أنّه ضبط النفس وقهرها عن الانقياد لقبائح اللذّات . وقيل : هو ضبط النفس عن أن يقهرها ألم مكروه ينزل بها ويلزم في العقل احتماله أو يغلبها حبّ مشتهى يتوق الإنسان إليه ويلزم في حكم العقل اجتنابه حتّى لا يتناوله على غير وجهه . وظاهر أنّ ذلك يلازم العفّة ، وكذلك عبّر عن الشجاعة بالجهاد لاستلزامه إيّاها إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه . والشجاعة هي ملكة الإقدام الواجب على الأمور الَّتي يحتاج الإنسان أن يعرّض نفسه لاحتمال المكروه والآلام الواصلة إليه منها ، وأمّا العدل فهو ملكة فاضلة تنشأ عن الفضائل الثلاث المشهورة وتلزمها .
وقد علمت فيما سلف أنّ كلّ واحدة من هذه الفضائل محتوشة برذيلتين هما طرفا الإفراط والتفريط منها ومقابلة برذيلة هي ضدّها . وأمّا شعب هذه الدعائم : فاعلم أنّه جعل لكلّ دعامة منها أربع شعب من الفضائل يتشعّب منها ويتفرّع عليها فهي كالفروع لها والأغصان : أمّا شعب الصبر الَّذي هو عبارة عن ملكة العفّة :
فأحدها : الشوق إلى الجنّة ومحبّة الخيرات الباقية .
الثاني : الشفق وهو الخوف من النار وما يؤدّي إليها .
الثالث : الزهد في الدنيا وهو الإعراض بالقلب عن متاعها وطيّباتها .
الرابع : ترقّب الموت . وهذه الأربع فضايل منبعثة عن ملكة العفّة لأنّ كلَّا منها يستلزمها .
وأمّا شعب اليقين :
فأحدها : تبصرة الفطنة وإعمالها . والفطنة هي سرعة هجوم النفس على
شرح نهج البلاغة — صفحة 255
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٥٥