الدنيا ومحبّتهم لها وحسنوا في أعينهم فاستعاروا لهم الأوصاف الجميلة الَّتي كانت في غيرهم وإن لم يكونوا في نفس الأمر كذلك حتّى يصفوا بالعلم الجاهل ، وبالكرم المبذّر ، وبالشجاعة المتهوّر ، وبالظرف ولطف الأخلاق الماجن . وربّما كان إقبال الدنيا عليهم أيضا سببا لاستعدادهم لتحصيل الكمالات النفسانيّة والملكات الفاضلة الَّتي كانت محاسن لغيرهم قبلهم وإن كانوا قبل ذلك غير أهل لشيء منها . ويحتمل أن يريد بالمحاسن محاسن الدنيا من مركوب وملبوس وأُبّهة وحسن إيالة وتصرّف ، وذلك ظاهر . وكونه عارية باعتبار عدم دوامه . وكذلك إذا أدبرت عنهم بحسب توافق أسباب الشقاوة فيها قبحوا في أعين الناس حتّى يكون أحدهم ذا فضيلة في نفسه فيجحدها الناس ويصفونه بضدّها فإن زهد في الدنيا نسبوه إلى الرياء والسمعة ، وإن حسنت أخلاقه نسبوه إلى الخلاعة والمجون ، وإن شجع نسبوه إلى التهوّر والجنون . وهو معنى سلبها لمحاسن أنفسهم ، وربما استعدّ ذو الفضيلة منهم بذلك لتركها وإهمالها والتخلَّق بضدّها حتّى تسلب عنه الفضيلة بالكلَّيّة .
5 - وقال عليه السلام : خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ - وإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ
نبّه بذلك على حسن المعاشرة للناس ومعاملتهم بمكارم الأخلاق . وكنّى عن ذلك بقوله : إن متمّ . إلى آخره . إذ من لوازم حسن المعاشرة للمخالط الحنّة إليه في حياته وافتقاره ، والبكاء عليه بعد وفاته . والجملة الشرطيّة في موضع نصب صفة المخالطة .
6 - وقال عليه السلام : إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ - فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ
وهو تنبيه على فضيلة العفو وجذب إليه بكونه شكرا للقدرة : أي ملازم
شرح نهج البلاغة — صفحة 244
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٤٤