تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
قوله هلك من ادّعى وخاب من افترى يحتمل أن يكون القضيّتان دعاء ، ويحتمل أن يكون إخبارا أي هلك من ادّعى ما ليس له أهلا وعنى الهلاك الأخروي ، وخاب من كذب أي لن يحصل مطلوبه إذا جعل الكذب وسيلة إليه ، وأعلم أنّ الدعوى إمّا أن يكون مطابقة لما في نفس الأمر أوليس كذلك ، والثانية محرّمة مطلقا ، وأمّا الأولى فإمّا أن يدعو إليها حاجة أوليس ، والقسم الأوّل هو المباح فقط دون الثاني ، وإنّما حرم هذان القسمان أمّا الأوّل وهي الدعوى غير المطابقة فلأنّها تصدر عن ملكة الكذب تارة وعن الجهل المركَّب تارة كالجهل بالأمر المدّعى لحصوله عن شبهه رسخت في ذهنه وكلاهما من أكبر الرذائل وأعظم المهلكات في الآخرة ، وأمّا الثانية وهي المطابقة لا عن حاجة فلأنّها تكاد لا تصدر عن الإنسان إلَّا عن رذيلة العجب وستعلم أنّه من المهلكات . قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله : ثلاث مهلكات : شحّ مطاع ، وهوى متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه . وأمّا خيبة المفتري فلأنّ الفرية اختلاف ما ليس بحقّ وظاهر أنّ الكذب لا ثمرة له أمّا في الآخرة فظاهر وأمّا في الدنيا فقد يكون وقد لا يكون وإن كانت ففي معرض الزوال ومستلزمة لسخط اللَّه فهي بمنزلة ما لم يكن وصاحبها أشدّ خيبة من عادمها وطالب الأمر بالفرية على كلّ تقدير خاسر خائب . قال بعض الشارحين : أراد هلك من ادّعى الإمامة من غير استحقاق ، وخاب عن افترى في دعواه لها لأنّ كلامه في هذه الخطبة كثيرا ما يعرض فيه بأمر الإمامة . قوله من أبدى صفحته للحقّ هلك [ عند جملة ( جهلة خ ) الناس ] وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره . تنبيه على أنّ المتجرّد لإظهار الحقّ في مقابلة كلّ باطل ورد من الجهال ، وحملهم على مرّ الحقّ وصعبه في كلّ وقت يكون في معرض الهلاك بأيديهم وألسنتهم إذ لا يعدّ منهم من بوليه المكروه ويسعى في دمه ، ثمّ أراد التنبيه على الجهل فذكر أدنى مراتبه ونبّه بها على أنّ أقلّ الجهل كاف في الرذيلة فكيف بكثيره وذلك قوله وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره وأراد مرتبته في الناس وعدم تصوّره لدرجة نفسه ومنزلتها بالنسبة إلى آحادهم وكفى بهذا القدر مهلكا فإنّه منشأ كثير من الرذائل المهلكة كالكبر والعجب وقول الباطل وادّعاء الكمال للناقصين وتعدّى الطور في أكثر الأحوال كما قال عليه السّلام في موضع آخر ، رحم اللَّه امرء عرف قدره ولم يتعدّ طوره ، وفي هذه الكلمة تنفير للسامعين عن الجهل بقدر ما يتصوّرونه
شرح نهج البلاغة — صفحة 307 | ابن ميثم البحراني