أقسم أنّه لم يكتم أثرا سمعه من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله في هذا المعنى وكلمة ممّا يتعيّن عليه أن يبوح به وأنّه لم يكذب قط ، وهذا القسم شهادة لما قبله من الإخبار بما سيكرن أنّه كان قال ، وتوطية لما بعده أنّه كما هو ذلك قوله ، ولقد نبّئت بهذا المقام أي مقام بيعة الخلق له وهذا اليوم أي يوم اجتماعهم عليه وكلّ ذلك تنفير لهم عن الباطل إلى الحقّ وتثبيت لهم على اتّباعه ثمّ لمّا أمرهم بالتقوى وأنبأهم بما سيكون عاقبة أمرهم في لزومهم لبلَّيتهم وتورّطهم في الشبهات أردف ذلك بالتنفير عن الخطايا والترغيب في التقوى بالتنبيه على ما يقود إليه كلّ منهما . قوله ألا وإنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحّمت بهم في النار . استعمال لفظ الخيل للخطايا ثمّ وصفها بالوصف المنفر وهو الشموس والهيئة المانعة لذي العقل من ركوبها وهي كونها مع شموسها مخلوعة اللجم ، ووجه الاستعارة ظاهر فإنّ الفرس الشموس الَّتي خلع لجامها لمّا كانت تتقحّم براكبها المهالك وتجري به على غير نظام فكذلك راكب الخطيئة لمّا جرى به ركوبها على غير نظام الشريعة وخلع بذلك لجام الأوامر الشرعية وحدود الدين لا جرم كانت غايته من ركوبه لها أن يتقحّم أعظم موارد الهلاك وهي نار جهنّم وذلك من لطيف الاستعارة ، قوله ألا وإنّ التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمّتها فأوردتهم الجنّة استعار أيضا لفظ المطايا بالوصف الحسن الموجب للميل إليها وهو كونها ذللا ، وبالهيئة الَّتي ينبغي للراكب وهو أخذ الزمام وأشار بالأزمّة إلى حدود الشريعة الَّتي يلزمها صاحب التقوى ولا يتجاوزها ، ولمّا كانت المطيّة الذلول من شأنها أن تتحرّك براكبها على وفق النظام الَّذي ينبغي ولا يتجاوز الطريق المستقيم بل يصرفها بزمامها وتسير به على تؤودة فيصل بها إلى المقاصد كذلك التقوى فسهولة طريق السالك إلى اللَّه بالتقوى وراحته عن جموح الهوى به في موارد الهلكة يشبه ذلَّه المطيّة ، وحدود اللَّه الَّتي بها يملك التقوى ويستقر عليه يشبه أزمّة المطايا الَّتي بها تملك وكون التقوى موصلا لصاحبه بسلامة إلى السعادة الأبديّة الَّتي هي أسنى المطالب يشبهه غاية سير المطيّ الذلول براكبها ، والاستعارة في الموضعين استعارة لفظ المحسوس للمعقول ثمّ لمّا بيّن أنّ هاهنا طريقين مركوبين مسلوكين طريق الخطايا وطريق التقوى ذكر بعده أنّهما حقّ وباطل فكأنّه قال وهما حقّ وهو التقوى وباطل وهو الخطايا ، ثمّ قال ولكلّ أهل
شرح نهج البلاغة — صفحة 301
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٠١