جَهْلًا أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ لَا يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ - ولَا يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمٍ - فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ، والتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ ، ولَا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلَّا رَبَّهُ ولَا يَلُمْ لَائِمٌ إِلَّا نَفْسَهُ .
أقول : قد عرفت كون هذا الفصل من الخطبة الَّتي ذكرناها ، والجادّة معظم الطريق ، والصفحة الجانب ، والسنخ الأصل ، وذات البين حقيقته ، والخيبة عدم حصول المطلوب . واعلم أنّ تقدير القضيّة الأولى أنّ من كانت النار والجنّة أمامه فقد جعل له بهما شغل يكفيه عن كلّ ما عداه فيجب عليه أن لا يشتغل إلَّا به ، وأشار بذلك الشغل إلى ما يكون وسيلة إلي الفوز بالجنّة والنجاة من النار ممّا نطقت به الكتب المنزلة وحثّ على لزومه الرسل ، وأشار بكون الجنّة والنار أمامه إلى أحد أمرين : أحدهما أن يكون المراد كون الجنّة والنار ملاحظتين له متذكَّرا لهما مدّة وقته فهما أمامه ونصب خياله ومن كان كذلك فهو في شغل بهما عن غيرهما . الثاني أن يكون كونهما أمامه أي أنّه لمّا كان الإنسان من مبدء عمره إلى منتهاه مسافرا إلى اللَّه تعالى فهو في انقطاع سفره لا بدّ وأن ينتهى إمّا إلى الجنّة أو إلى النار فكانتا أمامه في ذلك السفر وغايتين يؤمّهما الإنسان وينتهي إليهما ومن كان أبدا في السفر إلى غاية معيّنة فكيف يليق به أن يشتغل بغير مهمّات تلك الغاية والوسيلة إليهما ، وإنّما قال شغل بالبناء للمفعول لأنّ المقصود هاهنا ليس إلَّا ذكر الشغل أو لأنّه لمّا كان الشاغل هو اللَّه تعالى بإيجاد الجنّة والنار والترغيب في إحداهما والترهيب من الأخرى كان ترك ذكره للتعظيم والإجلال أو لظهوره ثمّ أنّه لمّا نبّه على وجوب الاشتغال بالجنّة والنار عن غيرهما قسّم الناس بالنسبة إلى ذلك الاشتغال إلى ثلاثة أقسام وذلك قوله ساع سريع نجا ، وطالب بطىء رجا ، ومقصّر في النار هوى ، ووجه الحصر في هذه القسمة أنّ الناس بعد الأنبياء عليهم السّلام إما طالبون للَّه أو تاركون والطالبون إمّا بغاية جدّهم واجتهادهم وبذل وسعهم وطاقتهم في الوصول إلى رضوانه أو بالبطؤ والتأنّي فهذه ثلاثة
شرح نهج البلاغة — صفحة 303
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٠٣