تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤

أقسام لا مزيد عليها وإن كان قسما الطالبين على مراتب ودرجات متفاوتة ، والقسم الأوّل هم الفائزون بقصب السبق والناجون من عذاب النار كما قال تعالى « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ونَعِيمٍ فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ووَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ » ( 1 ) وهذا القسم يشمل الأنبياء لولا إفرازه لهم في قسم رابع إذ قسّم الخلق في الخطبة إلى خمسة أقسام ، والثالث المقصّر الَّذي وقف به الشيطان حيث أراد آخذا بحجزته عن سلوك سبيل اللَّه قاذفا به في موارد الهلاك ومنازل الشقاء ، وظاهر أنّه في النار « فأمّا الَّذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلَّا ما شاء ربّك إن ربّك فعّال لما يريد » ( 2 ) أمّا القسم الثاني فذو وصفين يتجاذبانه من جهتي السفالة والعلوّ فطلب الجنّة إلى جهة بحركته وسلوكه إلى اللَّه وإن ضعف جاذب له إلى جهة العلوّ ، ويد الشيطان جاذبة إلى جهة السفالة إلَّا أنّ رجاه لعفو اللَّه ونظره إليه بعين رحمته إذا انضاف إلى حركته البطيئة كانت السلامة عليه أغلب وجهة العلوّ منه أقرب ، وينبغي أن نشير إلى حقيقة الرجاء ليتّضح ما قلناه ، فنقول : الرجاء هو ارتياح النفس لانتظار ما هو محبوب عندها فهو حالة لها تصدر عن علم ، وتقتضي عملا بيان ذلك أنّ ما يتصوره النفس من محبوب أو مكروه فإمّا أن يكون موجودا في الماضي أو في الحال أو يوجد في الاستقبال ، والأوّل يسمّى ذكرا وتذكيرا ، والثاني يسمّى وجدا لوجدان النفس له في الحال ، والثالث وهو أن يغلب على ظنّك وجود شيء في الاستقبال لنفسك به تعلَّق فسمّى ذلك انتظارا وتوقّعا فإن كان مكروها حدث منه في القلب تألَّم يسمّى خوفا وإن كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلَّق القلب به لذّة للنفس وارتياح بإخطار وجوده بالبال يسمّى ذلك الارتياح رجاء ولكن ذلك المتوقّع لا بدّ وأن يكون لسبب فإن كان توقّعه لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء صادق عليه ، وإن كان انتظاره مع العلم بانتفاء أسبابه فاسم الغرور والحمق عليه أصدق ، وإن كانت أسبابه غير معلومة الوجود ولا الانتفاء فاسم التمنّي أصدق على انتظاره . إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّ أرباب العرفان قد علموا أنّ الدنيا مزرعة الآخرة فالنفس هي الأرض وبذرها حبّ المعارف الإلهيّة ، وسائر أنواع الطاعات جارية مجرى إصلاح هذه الأرض من تقليبها وإعدادها للزراعة ، وسياقة الماء إليها ، والنفس المستغرقة بحبّ الدنيا

هامش
( 1 ) 52 - 17
( 2 ) 11 - 108