عليهم راكبة له . الرابع دقّة أخلاقهم وأشار بها إلى كونهم على رذائل الأخلاق دون حاقّ الوسط ، ولمّا كانت أصول الفضائل الخلقيّة كما علمت ثلاثة : الحكمة والعفّة والشجاعة وكانوا على طرف الجهل بوجوه الأراء المصلحيّة وهو طرف التفريط من الحكمة العمليّة وعلى طرف الجبن وهو طرف التفريط من الشجاعة ، وعلى طرف الفجور وهو طرف الإفراط من ملكة العفّة والعدالة لا جرم صدق أنّهم على رذائل الأخلاق ودقاقها .
الخامس الشقاق في العهود والنكث لها ومصداق ذلك نكثهم لعهده وخلافهم لبيعته وذلك من الغدر الَّذي هو رذيلة بإزاء ملكة الوفاء . السادس النفاق في الدين ، ولمّا كانوا خارجين على الإمام العادل محاربين له لا جرم كانوا خارجين عن الدين ، وربّما كان ذلك خطابا خاصّا لبعضهم إذا المنافق العرفي هو الخارج من الإسلام بقلبه المظهر له بلسانه فيكون ذلك خطابا لمن كان منهم بهذه الصفة . السابع ما يتعلَّق بذمّ بلدهم وهو كون مائهم مالحا وسبب ملوحته قربه من البحر وامتزاجه به ، ودخول ذلك في معرض ذمّهم ربّما يكون لسوء اختيارهم ذلك المكان والإقامة به مع كون مائهم بهذه الحال المستلزمة لأمراض كثيرة في استعماله كسوء المزاج والبلادة وفساد الطحال والحكَّة وغير ذلك ممّا يذكره الأطبّاء ، ولأنّ ذلك من أسباب التنفير عن المقام معهم وتكثير سوادهم . الثامن كونها أنتن البلاد تربة وذلك لكثرة ركوب الماء لها وتعفّنها به . التاسع كونها أبعد البلاد عن السماء وسيجئ بيانه . العاشر كونها بها تسعة أعشار الشرّ ويحتمل أن يريد به المبالغة في ذمّها دون الحصر وذلك أنّه لمّا عدّد بها شرورا لا يكاد تجتمع في غيرها حكم بأنّ فيها تسعة أعشار الشرّ مبالغة كنّى به عن معظم الشرّ ، ويحتمل أن يريد بالشرّ مجموع الرذائل الخلقيّة المقابلة لأصول الفضائل النفسانيّة الَّتي هي العلم والشجاعة والعفّة والسخاء والعدل وكلّ منها مقابل برذيلتين كما علمت فتلك عشر رذائل ، وأشبه ما يخرج عنهم ما لا يناسب غرضه هاهنا ذمّهم به كالتبذير أو نحوه وهذا الاحتمال وإن كان لطيفا إلَّا أنّ فيه بعدا .
الحادي عشر كون المقيم بين أظهرهم مرتهنا بذنبه وذلك أنّ المقيم بينهم لا بدّ وأن ينخرط في سلكهم ويستعدّ لقبول مثل طباعهم وينفعل عن رذائل أخلافهم وحينئذ يكون موثوقا بذنوبه . الثاني عشر كون الشاخص عنهم متداركا برحمة من ربّه وذلك لإعانة اللَّه له
شرح نهج البلاغة — صفحة 291
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩١