والَّتي كنايتان عن الشدائد والمصائب العظيمة والحقيرة ، وأصل المثل أنّ رجلا تزوّج امرأة قصيرة صغيرة سيّئة الخلق فقاسى منها شدائد فطلَّقها وتزوّج طويلة فقاسى منها أضعاف ما قاسى من الصغيرة فطلَّقها وقال بعد اللتيّا والَّتي لا أتزوّج أبدا ، فصار ذلك مثلا للداهية الكبيرة والصغيرة ، وتقدير مراده بعد ملاقاة كبار الشدائد وصغارها انسب إلى الجزع من الموت . بعد ما يقولون ثمّ أكَّد تكذيبهم في دعوى جزعه من الموت بالقسم البارّ أنّه آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه وذلك أمر بيّن من حاله عليه السّلام إذ كان سيّد العارفين بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ورئيس الأوليّاء ، وقد عرفت أنّ محبّة الموت والإنس به متمكَّن من نفوس أولياء اللَّه لكونه وسيلة لهم إلى لقاء أعظم محبوب والوصول إلى أكمل مطلوب ، وإنّما كان آنس به من الطفل بثدي أمّه لأنّ محبّة الطفل للثدي وأنسه به وميله إليه طبيعيّ حيوانيّ في معرض الزوال ، وميله إلى لقاء ربّه والوسيلة إليه ميل عقليّ باق فأين أحدهما من الآخر . قوله بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوىّ البعيدة . إشارة إلى سبب جمليّ لتوقفه عن الطلب والقيام غير ما نسبوه إليه من الجزع والخوف من الموت وهو العلم الَّذي انطوى عليه فإنّ علمه بعواقب الأمور وأدبارها وتطلَّعه إلى نتائج الحركات بعين بصيرته الَّتي هي كمرآة صافية حوذي بها صور الأشياء في المرآة العالية فارتسمت فيها كما هي . ممّا يوجب توقّفه عمّا يعلم أنّ فيه فسادا ، وتسرّعه إلى ما يعلم فيه مصلحة بخلاف الجاهل الَّذي يقدم على عظائم الأمور بقصر الرأي لا عن بصيرة قادته إلى ذلك ثمّ نبّه على عظيم قدر العلم الَّذي اندمج عليه بقوله لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوىّ البعيدة ، والجملة الشرطيّة في موضع الجرّ صفة لعلم ، وأشار باضطرابهم على ذلك التقدير إلى تشتّت آرائهم عند أن يكشف لهم ما يكون من أمر الخلافة وإلى من ينتهي وإلى ما يؤول إليه حال الناس إذ كان ذلك ممّا وقّفه عليه الرسول صلى اللَّه عليه وآله وأعدّه لفهمه فإنّ كثيرا منهم في ذلك الوقت كان نافرا عن عمر وآخرون عن عثمان فضلا عن معاوية ، ومنهم من كان يؤهّل نفسه للخلافة في ذلك الوقت ويطلبها لنفسه وبعد عقدها لأبي بكر كان يرجوا أن يؤول إليه بعده ، وإذا كان الأمر كذلك فظاهر أنّه عليه السّلام لو باح لهم بما علمه من عاقبة هذا الأمر لم يكن لهم ذلك النظام الحاصل في ذلك الوقت ليأس بعضهم من وصول هذا الأمر إليه
و
شرح نهج البلاغة — صفحة 279
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٧٩