تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
يفعل ذو الرأي في هذا الأمر أنّه إمّا أن يكون ذا جناح فينهض به فيفوز بمطلوبه أو لا يكون فيستسلم وينقاد فينجو ويريح نفسه من تعب الطالب . قوله ماء آجن ولقمة يغصّ بها آكلها . تنبيه إلى أنّ المطالب الدنيويّة وإن عظمت فهي مشوبة بالكدر والتغيّر والنقص ، وأشار إلى أمر الخلافة في ذلك الوقت ، وتشبّهها بالماء واللقمة ظاهر إذ عليهما مدار الحياة الدنيا ، وأمر الخلافة أعظم أسباب الدنيا فتشابها فاستعار لفظهما لما يطلب منها وكنّى بهما عنه ، ولمّا كان أجون الماء والغصص باللقمة ينقضهما ويوجب نفار النفس عن قبولهما ، وكانت المنافسة في أمر الخلافة والتجاذب والمنافرة بين المسلمين فيها وكونها في معرض الزوال ممّا يوجب التنفير عنها وتنقيصها وعدم الالتذاذ بها نبّه عليه السّلام بالأجون والغصص باللقمة على تلك الأمور ، وكنّى بهما عنها ليسكن بذلك فورة من استنهضه في هذا الأمر من بني هاشم فكأنّه قال إنّها لقمة منغصّة وجرعة لا يسيغها شاربها . قوله ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه . تنبيه على أنّ ذلك الوقت ليس وقت الطلب لهذا الأمر إما لعدم الناصر أو لغير ذلك ، وكنّى لمجتني الثمرة عن طالبها فاستلزم ذلك تشبيهها بالثمرة أيضا لاشتراكهما في كونهما محلَّا للالتذاذ أو نحوه ، ثمّ شبّه مجتني الثمرة لغير وقتها بالزارع بغير أرضه ووجه الشبه عدم الانتفاع في الموضعين إذ كان الزارع بغير أرضه في محلّ أن يمنع من ذلك التصرّف فيبطل سعيه ولا ينتفع بزرعه فكذلك مجتني الثمرة لغير وقتها لا ينتفع بها فكذلك طلبه للخلافة في ذلك الوقت . قوله فإن أقل يقولوا : حرص على الملك وإن أسكت يقولوا : جزع من الموت . شكاية من الألسنة والأوهام الفاسدة في حقّه وردت في معرض الكلام ، وإشارة إلى أنّه سواء طلب الأمر وسكت عنه فلا بدّ من أن يقال في حقّه وينسب إلى أمر ، ففي القيام والطلب ينسب إلي الحرص والاهتمام بأمر الدنيا ، وفي السكوت ينسب إلى الذلَّة والعجز وخوف الموت . وأوهام الخلق وألسنتهم لا تزال مولعة بأمثال ذلك بعضهم في حقّ بعض في المنافسات . قوله هيهات بعد اللتيّا والَّتي واللَّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه . ورد مورد التكذيب للأوهام الحاكمة في سكوته بجزعه أي بعد ما يقولون ، واللتيّا
شرح نهج البلاغة — صفحة 278 | ابن ميثم البحراني