للإقالة من هذا الأمر إنّما هو لثقله وكثرة شرائطه وشدّة مراعاة إجراء أحوال الخلق مع اختلاف طباعهم وأهوائهم على قانون واحد وخوفه أن تعثر به مطايا الهوى فترديه في موارد الهلاك ، وعلى هذا التقدير فكلَّما كانت مدّة ولاية الإنسان لهذا الأمر أقصر كان خوفه أقلّ وكانت متاعبه أيسر وأسهل ، وسبيل طالب الإقالة من هذا الأمر وأمثاله ومقتضى طلبه لذلك أن يتحرّى قلَّة متاعب هذا الأمر ويجتهد في الخلاص منه مهما أمكنه ذلك فإذا رأيناه متمسّكا بهذا الأمر مدّة حياته وعند وفاته يعقده لآخر بعده فيتحملّ مضارّ هذا الأمر في حال الحياة وبعد الوفاة فلا بدّ وأن يغلب على الظنّ أنّ طلبه للإقالة لم يكن عن قصد صحيح فيصير ذلك الظنّ مقابلا لما اشتهر عنه من العدالة وذلك محلّ التعجّب ، وهذا بخلاف ما اشتهر بالفسق والنفاق فإنّه لا يتعجّب من فعله لو خالف قوله . قوله لشدّ ما تشطَّرا ضرعيها . اللام للتأكيد وما مع الفعل بعدها في تقدير المصدر وهو فاعل شدّ والجملة من تمام التعجّب ، وقد استعار عليه السّلام لفظ الضرع هاهنا للخلافة ، وهي استعارة مستلزمة لتشبيهها بالناقة ، ووجه المشاركة المشابهة في الانتفاع الحاصل منها ، والمقصود وصف اقتسامهما لهذا الأمر المشبّه لاقتسام الحالبين أخلاف الناقة بالشدّة على من يعتقد أنّه أحقّ بها منهما أو على المسلمين الَّذين يشبهون الأولاد لها ، وقوله فصيّرها في حوزة خشناء كنّى بالحوزة عن طباع عمر فإنّها كانت توصف بالجفاوة والغلظ في الكلام والتسرّع إلى الغضب وذلك معنى خشونتها .
قوله يغلظ كلامها ويخشن مسّها . استعار لتلك الطبيعة وصفين : أحدهما غلظ الكلم وهو كناية عن غلظ المواجهة بالكلام والجرح به فإنّ الضرب باللسان أعظم من وخز والسنان ، والثاني جفاوة المسّ وهي كناية عن خشونة طباعه المانعة من ميل الطباع إليه المستلزمة للأذى كما يستلزم مسّ الأجسام الخشنة . قوله ويكثر العثار والاعتذار منها . إشارة إلى ما كان يتسرّع إليه عمر من الأحكام ثمّ يعاود النظر فيها فيجدها غير صائبة فيحتاج إلى الاعتذار ، والضمير في منها يعود إلى الطبيعة المعبّر عنها بالحوزة فمن ذلك ما روى أنّه أمر برجم امرأة زنت وهي حامل فعلم عليّ عليه السّلام بذلك فجاء إليه وقال له : إن كان لك سلطان عليها فما سلطانك على ما في بطنها ، دعها
شرح نهج البلاغة — صفحة 258
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٥٨