ومنها يعنى آل النبي عليه الصلاة والسّلام
هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ ولَجَأُ أَمْرِهِ - وعَيْبَةُ عِلْمِهِ ومَوْئِلُ حُكْمِهِ - وكُهُوفُ كُتُبِهِ وجِبَالُ دِينِهِ - بِهِمْ أَقَامَ انْحِنَاءَ ظَهْرِهِ وأَذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ
أقول : واللجأ الملجأ ، والموئل المرجع من آل يؤول إلى كذا إذا رجع وانتهى إليه ، والانحناء الاعوجاج ، والفرائض جمع فريضة وهي اللحمة الَّتي بين الجنب والكتف لا تزال ترعد من الدابّة ،
وقد وردت هذه القرائن الأربع بالسجع المتوازي ، والضمائر المفردة هاهنا كلَّها راجعة إلى اللَّه تعالى إلَّا الضمير في ظهره وفرائضه فإنّهما للرسول صلى اللَّه عليه وآله كما سبق ذكر اللَّه ورسوله في صدر الخطبة ، وقيل الكلّ للرسول صلى اللَّه عليه وآله ، وأشار بكونهم موضع سرّه إلى كمال استعداد نفوسهم عليهم السّلام لأسرار اللَّه وحكمته إذ الموضع الحقيقي للشيء هو ما قبله واستعدّ له ، وبكونهم ملجأ أمره إلى أنّهم الناصرون له والقائمون بأوامر اللَّه والذابّون عن الدين فإليهم يلتجىء وبهم يقوم سلطانه ، وكونهم عيبة علمه مرادف لكونهم موضع سرّه إذ يقال في العرف فلان عيبة العلم إذا كان موضع أسراره ، ولفظ العيبة استعارة لنفوسهم الشريفة ووجه المشابهة ظاهر إذ العيبة لمّا كان من شأنها حفظ ما يودع فيها وصائنه عن التلف والأدناس ، وكانت أذهانهم الطاهرة حافظة للعلم عن عدمه وصائنة له عن تدنّسه بأذهان غير أهله لا جرم حسنت استعارة لفظ العيبة لأذهانهم ، وبكونهم موئل حكمه إلى كونهم مرجعا لحكمته إذا ضلَّت عن أذهان غيرهم فمنهم تطلب وعنهم تكتسب ، وبكونهم كهوف كتبه إلى أنّهم أهل حفظها ودراستها وتفسيرها وعندهم علمها وتأويلها ، والكتب إشارة إلى القرآن وما قبله من كتب اللَّه كما نقل عنه عليه السّلام في موضع آخر لو كسرت إلى الوسادة ثمّ جلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم ، واللَّه ما من آية نزلت في برّ أو بحر أو سهل أو جبل أو سماء أو أرض أو ليل أو نهار إلَّا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أيّ وقت نزلت ، واستعارة لفظ الكهف قريبة من استعارة لفظ العيبة ، وبكونهم جبال دينه إلى دين اللَّه سبحانه
شرح نهج البلاغة — صفحة 245
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٤٥