تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣

بازدحام عن حرص وشوق إليه كحال الأنعام عند ورودها الماء ، وقيل : إنّ وجه الشبه هو ما بيّناه من عدم اطَّلاع الخلق على أسرار الحجّ وعلى ما يشتمل عليه المناسك من الحكمة الإلهيّة ، ولمّا كان العقل الَّذي به تميّز الإنسان عن الأنعام وسائر الحيوان معزولا عن إدراك هذه الأسرار كاد أن لا يكون بين الإنسان وبين مركوبه فرق في الورود إلى البيت وسائر المناسك وفيه بعد ، وقوله ويألهون إليه ولوه الحمام إشارة إلى شوق الخلق في كلّ عام إلى ورود البيت كما يشتاق إليه الحمام الَّذي يسكنه ، وقد راعى عليه السّلام في هذه القرائن الأربع السجع . قوله جعله علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزّته إشارة إلى ما ذكرنا من أنّ العقل لمّا لم يكن ليهتدي إلى أسرار هذه الأعمال لم يكن الباعث عليها إلَّا الأمر المجرّد وقصد امتثاله من حيث هو واجب الإتّباع فقط ، وفيه كمال الرقّ وخلوص الانقياد فمن فعل ما أمر به من أعمال الحجّ كذلك فهو المخلص الَّذي ظهرت عليه علامة المخلصين والمذعن المتواضع لجلال ربّ العالمين ، ولمّا كان الحقّ سبحانه عالم الغيب والشهادة لم يمكن أن يقال إنّ تلك العلامة ممّا يستفيد بها علما بأحوال عبيده من طاعتهم ومعصيتهم فإذن يتعيّن أن يكون معناها راجعا إلى ما به تتميّز النفوس الكاملة الَّتي انقادت لأوامر اللَّه وأخلصت له العبادة عمّا عداها فإنّ هذه العبادة من أشرف ما استعدّت به النفس الإنسانيّة وإفادتها كمالا تميّزت به عن أبناء نوعها فهي إذن علامة بها تميّز من اتّسم بها عن غيره ، وقوله واختار من خلقه سماعا أجابوا إليه دعوته . إشارة إلى الحاج في قوله تعالى « وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ » ( 1 ) وفي الآثار أنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا فرغ من بناء البيت جاءه جبرئيل عليه السّلام فأمره أن يؤذّن الناس بالحجّ فقال إبراهيم عليه السّلام : يا ربّ وما يبلغ صوتي قال اللَّه أذّن وعليّ البلاغ فعلا إبراهيم عليه السّلام المقام وأشرف به حتّى صار كأطول الجبال وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا ونادى يا أيّها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق فأجيبوا ربّكم فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء لبيّك اللهمّ لبّيك ، وفي الأثر إشارات لطيفة فإنّه يحتمل أن يراد بقول إبراهيم وما يبلغ صوتي إشارة إلى حكم الوهم الإنسانيّ باستبعاد عموم

هامش
( 1 ) 22 - 28