تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠

الأكرمين وأرحم الراحمين ، ويستحضر أنّ هذا الحرم مثال للحرم الحقيقيّ لترقّي من الشوق إلى دخول هذا الحرم والأمن بدخوله من العقاب إلى الشوق إلى دخول ذلك الحرم والمقام الأمين ، وإذا وقع بصره على البيت فليستحضر عظمته في قلبه وليترّق بفكره إلى مشاهدة حضرة ربّ البيت في جوار الملائكة المقرّبين وليتشوّق أن يرزقه النظر إلى وجهه الكريم كما رزقه الوصول إلى بيته العظيم وليتكثّر من الذكر والشكر على تبليغ اللَّه إيّاه هذه المرتبة ، وبالجملة فلا يغفل عن تذكير أحوال الآخرة في كلّ ما يراه فإنّ كل أحوال الحجّ ومنازله دليل يترقّي منه إلى مشاهدة أحوال الآخرة ، وأما الطواف بالبيت . فليستحضر في قلبه التعظيم والخوف والخشية والمحبّة ، وليعلم أنّه بذلك متشبّه بالملائكة المقرّبين الحافيّن حول العرش الطائفين حوله ولا تظنّن أنّ المقصود طواف جسمك بالبيت بل طواف قلبك بذكر ربّ البيت حتّى لا تبتدىء بالذكر إلَّا منه ولا تختم إلَّا به كما تبدأ بالبيت وتختم به ، واعلم أنّ الطواف المطلوب هو طواف القلب بحضرة الربوبيّة وأنّ البيت مثال ظاهر في عالم الشهادة لتلك الحضرة الَّتي هي عالم الغيب كما أنّ الإنسان الظاهر مثال الظاهر في عالم الشهادة للإنسان الباطن الَّذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب وأنّ عالم الملك والشهادة مرقاة ومدرج إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح له باب الرحمة وأخذت العناية الإلهيّة بيده لسلوك الصراط المستقيم ، وإلى هذه الموازنة وقعت الإشارة الإلهيّة بأنّ البيت المعمور في السماء بإزاء الكعبة ، وأنّ طواف الملائكة به كطواف الإنس بهذا البيت ، ولمّا قصرت مرتبة أكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف أمروا بالتشبّه بهم بحسب الإمكان ووعدوا بأنّ من تشبّه بقوم فهو منهم ثمّ كثيرا ما يزداد ذلك التشبيه إلى أن يصير في قوّة المشبّه به والَّذي يبلغ تلك المرتبة فهو الَّذي يقال إنّ الكعبة تزوره وتطوف به على ما رواه بعض المكاشفين لبعض أولياء اللَّه ، وأمّا الاستلام فليستحضر عنده أنّه مبائع للَّه على طاعته مصمّم عزيمته على الوفاء ببيعته « فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومن أوفي بما عاهد عليه اللَّه فسيؤتيه أجرا عظيما » ( 1 ) ولذلك قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله : الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض يصافح بها خلقه كما يصافح الرجل أخاه ، ولمّا قبّله عمر قال : إنّي لأعلم أنّك

هامش
( 1 ) 48 - 1 .