القلوب فإن اجتمعت همّهم وتجرّدت للضراعة نفوسهم ، وارتفعت إلى اللَّه أيديهم وامتدّت إليه أعناقهم يرمقون بأبصارهم جهة الرحمة طالبين لها فلا تظنّن أنّه يخيّب سعيهم من رحمة تغمرهم ويلوح لك من اجتماعهم الأمم بعرفات والاستظهار بمجاورة الأبدال والأوتاد المجتمعين من أقطار البلاد وهو السرّ الأعظم من الحجّ ومقاصده فلا طريق إلى استنزال رحمة اللَّه واستدرارها أعظم من اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد على صعيد واحد ، وأمّا رمي الجمار . فليقصد به الانقياد لأمر اللَّه وإظهار الرقّ والعبودية ثمّ ليقصد به التشبّه بإبراهيم عليه السّلام حيث عرض له إبليس في ذلك الموضع ليدخل على حجّه شبهة أو يفتنه بمعصية فأمره اللَّه تعالى أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله فإن خطر له أنّ الشيطان عرض لإبراهيم عليه السّلام ولم يعرض له فليعلم أنّ هذا الخاطر من الشيطان وهو الَّذي ألقاه على قلبه ليخيّل إليه أنّه لا فائدة في الرمي ، وأنّه يشبه اللعب وليطرده عن نفسه بالجدّ والتشمير في الرمي فيه يرغم فيه برغم أنف الشيطان فإنّه وإن كان في الظاهر رميا للعقبة بالحصى فهو في الحقيقة رمي لوجه إبليس وقصم لظهره إذ لا يحصل إرغام أنفه إلَّا بامتثال أمر اللَّه تعظيما لمجرد الأمر ، وأمّا ذبح الهدى . فليعلم أنّه تقرب إلى اللَّه تعالى بحكم الامتثال فليكمل الهدى وأجزاه وليرج أن يعتق اللَّه بكلّ جزء منه جزءا من النار . هكذا ورد الوعد فكلَّما كان الهدى أكثر وأوفر كان الفداء به من النار أتمّ وأعمّ وهو يشبه التقرب إلى الملك بالذبح له وإتمام الضيافة والقرى والغاية منه تذكَّر المعبود الأوّل سبحانه عند النيّة في الذبح واعتقاد أنّه متقرب به بأجزائه إلى اللَّه فهذه هي الإشارة إلى أسرار الحجّ وأعماله الباطنة . إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى المتن . قوله وفرض عليكم حجّ بيته الحرام إشارة . إلى وجوب الحجّ على الخلق وهو معلوم بالضرورة من الدين ووصفه بالحرام لأنّه يحرم على الخلق أن يفعلوا فيه ما لا ينبغي من مناهي الشرع ، وقوله الَّذي جعله قبلة للأنام مستنده قوله تعالى « فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » ( 1 ) وقوله يردونه ورود الأنعام مبالغة في تشبيه ورود الخلق البيت بورود الأنعام ، ووجه الشبه أنّ الخلق يردّون البيت
شرح نهج البلاغة — صفحة 232
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٣٢
هامش
( 1 ) 2 - 139