تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩

في تحصيلها بقدر إمكانه ، وأمّا الخروج من البلد فليستحضر عنده أنّه يفارق الأهل والولد متوجّها إلى اللَّه سبحانه في سفر غير أسفار الدنيا ، ويستحضر أيضا غايته من ذلك السفر وأنّه متوجّه إلى ملك الملوك . وجبّار الجبابرة في جملة الزائرين الَّذين نودوا فأجابوا وشوّقوا ما اشتاقوا وقطعوا العلائق وفارقوا الخلائق وأقبلوا على بيت اللَّه طلبا لرضى اللَّه وطمعا في النظر إلى وجهه الكريم وليحضر أيضا في قلبه رجاء الوصول إلى الملك والقبول له بسعة فضله وليعتقد أنّه إن مات دون الوصول إلى البيت لقى اللَّه وافدا عليه لقوله تعالى « وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى الله ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله » ( 1 ) وليتذكَّر في أثناء طريقه من مشاهدة عقبات الطريق عقبات الآخرة ومن السباع والحيّات حشرات القبر ، ومن وحشة البراري وحشة القبر وانفراده عن الأنس فإنّ كلّ هذه الأمور جاذبة إلى اللَّه سبحانه ومذكَّرة له أمر معاده ، وأمّا الإحرام والتلبية من الميقات فليستحضر أنّه إجابة نداء اللَّه تعالى وليكن في قبول إجابته بين خوف ورجاء مفوّضا أمره إلى اللَّه متوكَّلا على فضله . قال سفيان بن عيينة حجّ زين العابدين عليّ بن الحسين عليه السّلام فلمّا أحرم واستوت به راحلته اصفرّ لونه ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبّي فقيل له ألا تلبّي فقال : أخشى أن يقول لا لبّيك ولا سعديك فلمّا لبّى غشى عليه وسقط عن راحلته فلم يزل يعتريه ذلك حتّى قضى حجّه فانظر - رحمك اللَّه - إلى هذه النفس الطاهرة حيث بلغ بها الاستعداد لإفاضة أنوار اللَّه لم تزل الغواشي الإلهيّة والنفخات الربّانيّة تغشيها فيغيب عن كلّ شيء سوى جلال اللَّه وعظمته ، وليتذّكر عند إجابته نداء اللَّه سبحانه إجابة ندائه بالنفخ في الصور وحشر الخلق من القبور وازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لندائه منقسمين إلى مقرّبين وممقوتين ومقبولين ومردودين ومردّدين في أوّل الأمر بين الخوف والرجاء تردّد الحاجّ في الميقات حيث لا يدرون أيتيسّر لهم إتمام الحجّ أم لا ، أمّا دخول مكَّة . فليستحضر عنده أنّه قد انتهى إلى حرم اللَّه الأمن وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب اللَّه وليخش أن لا يكون من أهل القرب ، وليكن رجاؤه أغلب فإنّ الكريم عميم وشرف البيت عظيم وحقّ الزائر مرعيّ وذمام اللائذ المستجير غير مضيّع خصوصا عند أكرم

هامش
( 1 ) 4 - 101 .
شرح نهج البلاغة — صفحة 229 | ابن ميثم البحراني