تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨

خائنة الأعين وما تخفى الصدور ويكون قصده غيره فإنّ ذلك استبدال للَّذي هو أدنى بالَّذي هو خير ، أمّا قطع العلائق فحذف جميع الخواطر عن قلبه غير قصد عبادة اللَّه والتوبة الخالصة له عن الظلم وأنواع المعاصي فكلّ مظلمة علاقة وكلّ علاقة خصم حاضر متعلَّق به ينادى عليه ويقول أتقصد بيت الملوك وهو مطَّلع على تضييع أمره لك في منزلك هذا وتستهين به ولا تلتفت إلى نواهيه وزواجره ولا تستحيي أن تقدم عليه قدوم العبد العاصي فيغلق دونك أبواب رحمته ويلقيك في مهاوي نقمته فإن كنت راغبا في قبول زيارتك فأبرز إليه من جميع معاصيك وأقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى ما وراءك لتتوجّه إليه بوجه قلبك كما أنت متوجّه إلى بيته بوجه ظاهرك ، وليذكر عند قطعه العلائق لسفر الحجّ قطع العلائق لسفر الآخرة فإنّ كلّ هذه أمثلة قريبة يترقّى منها إلى أسرارها ، وأمّا الزاد فليطلبه من موضع حلال فإذا أحسّ من نفسه بالحرص على استكثاره وطيبه وطلب ما يبقى منه على طول السفر ولا يتغيّر قبل بلوغ المقصد فليذكر أنّ سفر الآخرة أطول من هذا السفر وأنّ زاده التقوى ، وأمّا ما عداه لا يصلح زادا ولا يبقى معه إلَّا ريثما هو في هذا المنزل وليحذر أن يفسد أعماله الَّتي هي زاده إلى الآخرة بشوائب الرياء وكدورات التقصير فيدخل في قوله تعالى « هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً » ( 1 ) وكذلك فليلاحظ عند ركوب دابّته تسخير الحيوان له وحمله عنه الأذى ، ويتذكَّر منّته تعالى لشمول عنايته ورأفته حيث يقول « وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلَّا بشقّ الأنفس إنّ ربّكم لرؤف رحيم » ( 2 ) فيشكره سبحانه على جزيل هذه النعمة وعظيم هذه المنّة ، ويستحضر نقلته من مركبه إلى منازل الآخرة الَّتي لا شكّ فيه ، ولعلَّه أقرب من ركوبه الحاضر فتحتاط في أمره ، وليعلم أنّ هذه أمثلة محسوسة يترقّى منها إلى مراكب النجاة من الشقّة الكبرى وهي عذاب اللَّه سبحانه ، وأمّا ثوب الإحرام وشراؤه ولبسه فليتذكَّر معه الكفن ودرجه فيه ولعلَّه أقرب إليه وليتذكَّر منها التسربل بأنوار اللَّه الَّتي لا مخلص من عذابه إلَّا بها فيجهد

هامش
( 1 ) 18 - 103 .
( 2 ) 16 - 7 .
شرح نهج البلاغة — صفحة 228 | ابن ميثم البحراني