أقول : يألهون إليه أي يشتدّ وجدهم وشوقهم إليه وأصل الهمزة هاهنا الواو من وله إذا تحيّر من شدّة الوجد ، والسماع جمع سامع كسامر وسماع والمبادرة المسارعة ، والوفادة القدوم للاسترفاد والانتفاع ، واعلم أنّا لمّا بيّنا وجوب العبادات وأشرنا إلى وجه الحكمة فيها فبالحريّ أن نشير إلى وجه الحكمة في خصوص الحجّ من جملتها ، ونؤخّر تفصيل باقيها إلى مواضعه ، وإنشاء اللَّه فأمّا الحجّ فإنّك لمّا عرفت أنّ الغرض الأوّل من العبادات هو جذب الخلق إلى جناب الحقّ بالتذكير له ودوام إخطاره بالبال لتجلَّى لك الأسرار على طول التذكار ، وينتهى في ذلك من أخذت العناية بيده إلى مقام المخلصين فمن جملة أسرار اللَّه سبحانه المنزلة على لسان رسوله تعيين موضع من البلاد أنّه أصلح المواضع لعبادة اللَّه ، وأنّه خاصّ له ولا بدّ أنّ تبنى مثل هذه الأوضاع على إشارات ورموز إلى مقاصد حقيقيّة يتنبّه لها من أخذ التوفيق بزمام عقله إليها ، ولا بدّ من تعيين أفعال تفعل في ذلك المكان وأنّها إنّما تفعل في ذات اللَّه سبحانه ، وأنفع المواضع المعيّنة في هذا الباب ما كان مأوى الشارع ومسكنه فإنّ ذلك مستلزم لذكره ، وذكره مستلزم لذكر اللَّه سبحانه وذكر ملائكته واليوم الآخر ، ولمّا لم يمكن في المأوى الواحد أن يكون مشاهدا لكلّ أحد من الأمة فالواجب إذن أن يفرض إليه مهاجرة وسفر وإن كان فيه نوع مشقّة وكلفة من تعب الأسفار وإنفاق المال ومفارقة الأهل والولد والوطن والبلد ، ونحن نذكر فضيلته من جهة السمع ثمّ نشير إلى ما ينبغي أن يوظَّف فيه من الآداب الدقيقة والاعمال الباطنة عند كلّ حركة وركن من أركان الحجّ مما يجرى من تلك الأركان مجرى الأرواح للأبدان فإذن هاهنا أبحاث . البحث الأوّل - أمّا الفضيلة فمن وجوه : الأوّل قوله تعالى « وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ » ( 1 ) قال قتادة : لمّا أمر اللَّه عزّ وجلّ خليله إبراهيم عليه السّلام أن يؤذّن في الناس ونادى أيّها الناس إنّ للَّه بيتا فحجوّه ، وقال تعالى « لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ » ( 2 ) قيل : التجارة في المواسم والأجر في الآخرة ، ولمّا سمع بعض السلف هذا قال غفر لهم وربّ الكعبة ، الثاني قال عليه السّلام : من حجّ ولم يرفث ولم يفسق خرج
شرح نهج البلاغة — صفحة 223
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٢٣
هامش
( 1 ) 22 - 28 .
( 2 ) 22 - 29 .