ويدخل في ذلك محادثة النساء بشأن الجماع المحرّم فإنّها تهيّج داعيته وهي مقدّمة له فتحرم ، ومن لطف الشارع إقامة مظنّة الشيء مقام الشيء حسما لمادّته ، والفسوق الخروج عن طاعة اللَّه ، والجدال هو المماراة والخصومة الموجبة للضغائن والأحقاد وافتراق كلمة الخلق ( الحقّ ) ، وكلّ ذلك ضدّ مقصود الشارع من الحجّ وشغل عن ذكر اللَّه ، الخامس أن يحجّ ماشيا مع القدرة ونشاط النفس فإنّ ذلك أفضل وأدخل للنفس في الإذعان لعبوديّة اللَّه ، وقال بعض العلماء : الركوب أفضل لما فيه من مئونة الإنفاق ، ولأنّه أبعد من الملال وأقلّ للأذى وأقرب إلى السلامة وأداء الحجّ ، وهذا التحقيق غير مخالف لما قلناه ، والحقّ التفصيل ، فيقال : من سهل عليه المشي فهو أفضل فإن أضعف وأدّى إلى سوء خلق وقصور عن العمل فالركوب أفضل لأنّ المقصود توفّر القوى على ذكر اللَّه تعالى وعدم المشتغلات عنه . السادس أن يركب الزاملة دون المحمل لاشتماله على زيّ المترفين والمتكبّرين ولأنّه أخفّ على البعير اللهمّ إلَّا لعذر . حجّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله على راحلته وكان تحته رحل رثّ وقطيفة خلقة قيمته أربعة دراهم وطاف على الراحلة لينظر الناس إلى هيئته وشمائله ، وقال : خذوا عنّي مناسككم . السابع أن بخرج رثّ الهيئة أقرب إلى الشعث غير مستكثر من الزينة وأسباب التفاخر فيخرج بذلك عن حزب السالكين وشعار الصالحين . وروى عنه صلى اللَّه عليه وآله أنّه قال : إنّما الحاجّ الشعث التفث يقول اللَّه تعالى لملائكته انظروا إلى زوّار بيتي قد جاؤني شعثا غيرا من كلّ فج . وقال تعالى « ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ » والتفث الشعث والاغبرار وقضاؤه بالحلق وتقليم الأظفار . الثامن أن يرفق بالدابّة ولا يحملها ما لا تطيق كان أهل الورع لا ينامون على الدابّة إلَّا عفوة من قعود قال صلى اللَّه عليه وآله : لا تتّخذوا ظهور دوّابكم كرسيّ ، ويستحبّ أن ينزل عن دابّته غدوّة وعشيّة يروّحها بذلك فهو سنّة ، وسرّ ذلك مراعاة الرقّة والرحمة والتخلَّي عن القسوة والظلم ولأنّه يخرج بالعسف عن قانون العدل ومراعاة عناية اللَّه وشمولها فإنّها كما لحقت الإنسان لحقت سائر الحيوان التاسع أن يتقرّب بإراقه دم ويجتهد أن يكون سمينا ثمينا روى أنّ عمر أهدى نجيبة فطلبت منه بثلاثة مائة دينار فسأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وقال : بل اهدها وذلك لأنّ المقصود ليس تكثير اللحم وإنّما المقصود تزكية
شرح نهج البلاغة — صفحة 225
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٢٥