إلى اللَّه تعالى ، ولذلك قال صلى اللَّه عليه وآله : أكثروا من ذكر هادم اللذّات إلى غير ذلك من الأمراض الَّتي تضعف قواهم وتهرمهم ، والمصائب الَّتي تتتابع عليهم فإنّ كلّ هذه الآثار موادّ احتجاج الأنبياء على الخلق لينبّونهم بصدورها عن العزيز الجبّار عزّ سلطانه على أنّه هو الملك المطلق الَّذي له الخلق والأمر ، وليقرّروا في أذهانهم صورة ما نسوه من العهد المأخوذ عليهم في الفطرة الأصليّة من أنّه سبحانه هو الواحد الحقّ المتفرّد باستحقاق العبادة ، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم « وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون » ( 1 ) وقوله « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وما أَنْزَلَ الله مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » ( 2 ) الآية وقوله تعالى « وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وإِنَّا لَمُوسِعُونَ والأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ومِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » ( 3 ) إلى غير ذلك من الآيات الدالَّة على احتجاج الخالق سبحانه على خلقه بألسنة رسله وتراجمة وحيه وجذبهم بهذه الألطاف إلى القرب من ساحل عزّته والوصول إلى حضرة قدسه سبحانه وتعالى عمّا يشركون « وإن تعدّوا نعمت اللَّه لا تحصوها إنّ الإنسان لظلوم كفّار » ( 4 ) قوله ولم يخل اللَّه سبحانه خلقه إلى قوله وخلقت الأبناء . أقول : المقصود الإشارة إلى بيان عناية اللَّه سبحانه بالخلق حيث لم يخل امّة منهم من نبيّ مرسل يجذبهم إلى جناب عزّته كما قال تعالى « وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ » ( 5 ) وكتاب منزل يدعوهم إلى عبادته ويذكَّرهم فيه منسىّ عهده ويتلى عليهم فيه أخبار الماضين والعبر اللاحقة للأوّلين ويحتجّ عليهم فيه بالحجج البالغة والدلائل القاطعة ، ويوضح لهم فيه أمور نظامهم وينبّههم على مبدئهم ومعادهم ، والانفصال هاهنا انفصال مانع من الخلوّ كما هو مصرّح به . قوله رسل لا تقصّر بهم قلَّة عددهم ولا كثرة المكذّبين لهم أي هم رسل كذلك ، والمراد الإشارة إلى أنّهم وإن كانوا قليلي العدد بالنسبة إلى كثرة الخلق ، وكان عدد المكذّبين
شرح نهج البلاغة — صفحة 203
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٠٣
هامش
( 1 ) 21 - 33
( 2 ) 2 - 159
( 3 ) 51 - 47
( 4 ) 14 - 37
( 5 ) 35 - 22