وجذب سائر النفوس الناقصة إلى جناب عزّته بحسب ما أفاضهم من القوّة على ذلك الاستعداد ، له وما منحهم من الكمال الَّذي يقتدرون معه على تكميل الناقصين من أبناء نوعهم ، ولمّا كانت صورة العهد وأخذ الأمانة في العرف أن يوغر إلى الإنسان بأمر ويؤكَّد عليه القيام به بالإيمان وإشهاد الحقّ سبحانه ، وكان الحكم الإلهيّ جاريا بإرسال النفوس الإنسانيّة إلى هذا العالم وكان مراد العناية الإلهيّة من ذلك البعث أن يظهر ما في قوّة كلّ نفس من كمال أو تكميل إلى الفعل ، وكان ذلك لا يتمّ إلَّا بواسطة بعضها للبعض كان الوجه الَّذي بعثت عليه مشبّها للعهد والميثاق المأخوذ والأمانة المودعة كلّ لما في قوّته وما أعدّ له فحسن إطلاق هذه الألفاظ واستعارتها هاهنا . قوله لمّا بدّل أكثر خلق اللَّه عهدهم إليهم فجهلوا حقّه واتّخذوا الأنداد معه واجتالتهم الشياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته إلى آخره إشارة إلى وجه الحكمة الإلهيّة في وجود الأنبياء عليهم السّلام ولوازمه وهي شرطيّة متصّلة قدّم فيها التالي لتعلَّق ذكر الأنبياء عليهم السّلام بذكر آدم ، والتقدير لمّا بدّل أكثر خلق اللَّه عهده إليهم اصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم فبعثهم في الخلق ، وذلك العهد هو المشار إليه بقوله تعالى « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ » ( 1 ) الآية قال ابن عبّاس : لمّا خلق اللَّه آدم مسح على ظهره فأخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فقال : ألست بربّكم قالوا : بلى ، فنودي يومئذ جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، واعلم أنّ أخذ الذريّة يعود إلى إحاطة اللوح المحفوظ بما يكون من وجود النوع الإنساني بأشخاصه ، وانتقاشه بذلك عن قلم القضاء الإلهي ، ولمّا كان بالإنسان تمام العالمين في الوجود الخارجيّ فكذلك هو في التقدير القضائي المطابق له ، وبه يكون تمام التقدير وجفاف القلم ، وأمّا إشهادهم على نفسهم فيعود إلى إنطاق إمكانهم بلسان الحاجة إليه وأنّه الإله المطلق الَّذي لا إله غيره ، وأمّا بيان ملازمة الشرطيّة فلأنّه لمّا كان الغالب على الخلق حبّ الدنيا ، والإعراض عن مقتضي الفطرة الأصليّة الَّتي فطرهم عليها ، والالتفات عن القبلة الحقيقيّة الَّتي أمروا بالتوجّه إليها ، وذلك بحسب ما ركبّ فيهم من القوى البدنيّة المتنازعة إلى كمالاتها لا جرم كان من شأن كونهم على هذا التركيب المخصوص
شرح نهج البلاغة — صفحة 201
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٠١
هامش
( 1 ) 7 - 171