فلا بدّ وأن يصيح وجلا قلقا يقلَّب كفّيه حسرة وندما وجلا ممّا يلحقه من سخط اللَّه نادما على ما فرّط في جنب اللَّه ، وقوله ثمّ بسط اللَّه في توبته ولقّاه كلمة رحمته فالمراد الإشارة إلى أنّ الجود الإلهيّ لا بخل فيه ولا منع من جهته ، وإنّما النقصان من جهة القابل وعدم استعداده فإذا استعدّت النفس لتدارك رحمة اللَّه وجذبتها العناية الإلهيّة من ورطات الهلاك الأبدي فأيّدتها بالمعونة على إبليس وجنوده وبصّرتها بمقابح أحواله ( أفعاله ) وما يدعوا إليه ، فأخذت في مقاومته والترصّد لدفع مكائده فذلك هو معنى إنابتها وتوبتها ، وأمّا كلمة رحمة اللَّه الَّتي لقّاها آدم فتعود إلى السوانح الإلهيّة الَّتي تنسخ للعبد فتكون سببا لجذبه عن مهاوي الهلاك وتوجيهه عن الجنّة السافلة إلى القبلة الحقيقيّة وإمداده بالملائكة حالا فحالا ورفعه في مدارج الجلال الَّتي هي درجات الجنّة ، وقوله ووعده المردّ إلى جنّته فإشارة إلى وعد القضاء الإلهيّ الناطق عنه لسان الوحي الكريم « فمن اتّبع هداي فلا يضلّ ولا يشقى - يا أيّها الَّذين آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحا عسى ربّكم أن يكفّر عنكم سيّئاتكم ويدخلكم جنّات تجري من تحتها الأنهار » ( 1 ) وكذلك سائر أنواع وعد التائبين فهذا ما يتعلَّق بهذه القصّة من التأويل وباللَّه العصمة والتوفيق . الفصل الرابع قوله واصطفى سبحانه . . . واصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ - أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ - وعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ - لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ - فَجَهِلُوا حَقَّهُ واتَّخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَهُ - واجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ - واقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ - ووَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ - ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ - ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ - ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ - ويُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ - مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ ومِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ - ومَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ وآجَالٍ تُفْنِيهِمْ وأَوْصَابٍ
شرح نهج البلاغة — صفحة 198
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٩٨
هامش
( 1 ) 66 - 8