تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦

اللذّات البدنيّة الحاضرة فترى كثيرا منهم لا يخطر بباله أن يكون في الجنّة أمر زائد على هذه اللذّات فهو يجتهد في تحصيلها إذ لا يتصوّر وراءها أكثر منها ، ثمّ إن صدّق بها على سبيل الجملة تصديقا للوعد الكريم فإنّه لا يتصوّر كثير تفاوت بين الموعود به والحاضر بحيث يرجّح ذلك التفاوت عنده ترك الحاضر لما وعد به بل يكون ميل طبعه إلى الحاضر ، وتوهّم كونه أنفع وأولى به أغلب عليه ، وأن تيقنّ بأصل عقله أنّ الأولى به وأنفع له والأبقى هو متاع الآخرة فتارة يطرأ على ذلك اليقين غفلة عنه ونسيان له بسبب الاشتغال باللذّات الحاضرة والانهماك فيها ، وذلك معنى قوله تعالى فَأَخْرَجَ ، وتارة لا تحصل الغفلة الكلَّيّة بل يكون الوهم المذكور قويّا فيعارض ذلك اليقين بحيث يوجب في مقابلته شبهة وشكَّا وذلك معنى قوله عليه السّلام فباع اليقين بشكَّه ولا منافاة بين قوله تعالى فَأَخْرَجَ وبين الشكّ هاهنا . وقوله والعزيمة بوهنه أي تعوّض من العزم والتصميم الَّذي كان ينبغي له في طاعة الحقّ سبحانه بالضعف والتعاجز عن تحمّله كما قال تعالى « وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » وإطلاق لفظ البيع هاهنا استعارة حسنة إذ كان مدار البيع على استعاضة شيء بشيء سواء كان المستعاض أجلّ أو أنقص ، ومثله قوله تعالى « أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ » . وقوله فاستبدل بالجذل وجلا وبالاغترار ندما إلى قوله وتناسل الذرّيّة فيه تقديم وتأخير وتقديره والعزيمة بوهنه فأهبطه اللَّه إلى دار البليّة وتناسل الذريّة فاستبدل بالجذل وجلا بالاغترار ندما ، ثمّ أناب إلى اللَّه فبسط له في توبته ولقّاه كلمة رحمته ووعده المردّ إلى جنّته ، وذلك لأنّ الإهباط عقيب الزلَّة واستبدال الجذل بالوجل بعد الإهباط من الجنّة والإخراج منها ، وقد ورد القرآن الكريم بهذا النظم في سورة البقرة وهو قوله « فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وقُلْنَا اهْبِطُوا » ( 1 ) ثمّ قال عقيبه « فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ » وورد أيضا على النظم الَّذي ذكره عليه السّلام في سورة طه وذلك قوله « وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى قالَ اهْبِطا » ( 2 ) فقدم الاجتباء

هامش
( 1 ) 2 - 34
( 2 ) 20 - 119