والتوبة على الإهباط وكلاهما حسن . قالوا : ومعنى الإهباط له هو إنزاله عن دار كرامته واستحقاق إفاضة نعيم الجنّة ، وذلك أنّ النفس الناطقة إذا أعرضت عن جناب الحقّ سبحانه ، والتفتت إلى متابعة الشياطين وأبناء الجنّ وموافقة إبليس بعدت عن رحمة اللَّه وتسوّد لوحها عن قبول أنوار الإلهيّة ، وأمّا دار البليّة وتناسل الذريّة فإشارة إلى الدنيا فإنّ الإنسان إذا التفت بوجهه إليها ، وأقبل بكلَّيته عليها هبط من أعلى عليّين إلى أسفل سافلين ، ولم يزل ممنوّا ببلاء على أثر بلاء إذ لا يقدّم في كلّ لحظة ووقت فوت مطلوب أو فقد محبوب يطلب مالا يدرك ويجد ما لا يطلب وكفى بانقطاعه عن اللَّه تعالى بالتفاته إليها بلاء وأعظم به شقاء إذ كان سبب البعد عن رحمته والطرد عن أبواب جنّته . فإن قلت لم ذكر تناسل الذريّة في معرض الإهانة لآدم مع أنّه في الحقيقة من الأمور الخيريّة المندرجة في سلك العناية الإلهيّة فإنّ به بقاء النوع ودوام الإفاضة . قلت : إنّه وإن كان كذلك إلَّا أنّه لا نسبة له في الحقيقة إلى الخير الَّذي كان في الجنّة فإنّ تناسل الذريّة خير إضافيّ عرضيّ بالنسبة إلى الكمال الَّذي يحصل لأبناء النوع وذريّته ، ثمّ النسبة إن حصلت فنسبة أخصّ إلى أشرف فإنّ إنزاله وإهباطه عن استحقاق تلك المراتب السامية والإفاضات العالية إلى هذه المرتبة الَّتي يشارك فيها البهيمة وسائر أنواع الحشرات نقصان عظيم وخسران مبين . قوله واستبدل بالجذل وجلا وبالاغترار ندما ظاهر فإنّ المقبل بوجهه على عبادة الحقّ سبحانه المستشرق لأنوار كبريائه المعرض عمّا سواه أبدا مسرور مبتهج فإذا أعرض عمّا يوجب السرور والفرح والتفت إلى خسائس الأمور بسبب شيطان قاده إليها وزيّنها لعينه فانكشف عنه ستر اللَّه وبدت سوئته للناظرين بعين العاقبة من عباد اللَّه الصالحين ، ثمّ أخذت بضبعه العناية الإلهيّة وتداركته الرحمة الربّانيّة فانتبه من رقدة الغافلين في مراقد الطبيعة فرأى السلاسل والأغلال قد أحاطت به وشاهد الجحيم مسعرّة عن جنبتي الصراط المستقيم ، وتذكَّر قوله تعالى « قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ » ( 1 ) الآيات
شرح نهج البلاغة — صفحة 197
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٩٧
هامش
( 1 ) 20 - 121 .