تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١

رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ » ( 1 ) والخطاب هاهنا خطاب الحكمة الإلهيّة بالقضاء الأزلي قبل الوجود والاستيذاء لذلك العهد وتلك الوصيّة هو طلب المأمور به أوّلا من الانقياد والخضوع من تلك القوى بعد الوجود على ألسنة الرسل عليهم السّلام بالوحي المنزل وهو قوله اسْجُدُوا لِآدَمَ ، قوله فسجدوا إشارة إلى القوى المطيعة لنفوسها العاقلة في أشخاص عباد اللَّه الصالحين ، قوله إلَّا إبليس وقبيله إشارة إلى الوهم وسائر القوى التابعة له في معارضة العقل في أشخاص الكفّار والفاسقين عن أوامر اللَّه سبحانه ، وقد عرفت أنّ الوهم رئيس القوى البدنيّة فهي إذن عند معارضته للعقل ومتابعتها له جنود إبليس وقبيله ، وأمّا قوله اعترته الحميّة وغلبت عليه الشقوة وتعزّر بخلق النار واستهون خلق الصلصال ، فقالوا : إنّ المراد بكون إبليس وجنوده خلقوا من نار أنّ الأرواح الحاملة لهذه القوى كما عرفت أجسام لطيفة تتكوّن عن لطافة الأخلاط وهي حارّة حدّا مائلة في الإفراط والناريّة والهوائيّة عليها أغلب وتولَّدها عنهما أسهل وهي آخر أجزاء البدن وكذلك القلب الَّذي هو منبعها فكانت تلك الأرواح كالأبدان لهذه القوى فلذلك نسب إبليس إلى النار فقال تعالى حكاية عنه « خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ » وقال « وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ » أي قدّرنا قبل وجوده أن تكون الناريّة والهوائيّة على وجود أغلب ، وقال بعضهم : إنّه لمّا كانت النار ألطف العناصر وكانت هذه القوى وأرواحها ألطف الأمور الجسمانيّة وتكَّونها عن ألطف الأخلاط كانت نسبتها إلى النار أولى من سائر العناصر لمكان المشابهة في اللطافة فجاز أن يطلق على أصله أنّه نار . لا يقال : إذا كان آدم هو النفس الناطقة فما معنى قول إبليس وخلقته من طين . لأنا نقول : كما صدق أنّ إبليس مخلوق من نار بمعنى أنّ الغالب على الروح الحامل له هو عنصر النار كذلك يصدق أنّ آدم من طين بمعنى أنّ الغالب على بدنه الأرضيّة ، وأيضا فإنّ الوهم لا يدرك إلَّا المعاني الجزئيّة المتعلَّقة بالمحسوسات فلا يصدق حكمه ومساعدته إلَّا فيما كان محسوسا ، ولمّا ثبت أنّ النفس جوهر مجرّد لم يكن اعتقاد إبليس أنّ الإنسان شيء غير هذا البدن المتكوّن عن الطين . إذا ثبت ذلك فنقول : اعتراء الحميّة والتعزّز بالانتساب إلى عنصر النار نسبة مجازيّة إذا العادة جارية بأن يأنف الإنسان من

هامش
( 1 ) 38 - 72 .
شرح نهج البلاغة — صفحة 191 | ابن ميثم البحراني