تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢

الأصل الناقص وأن يفتخر ويتعزّز بالأصل الشريف والانتساب إليه فكان لسان حال إبليس والقوى المتابعة له يقول على جهة الاستنكار أأسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون ، وأنا مخلوق من النار الَّتي هي أشرف العناصر قالوا : ولمّا علم اللَّه ذلك من حال إبليس لعنه وطرده وأخرجه من الجنّة وذلك قوله تعالى « قالَ فَأخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ » ( 1 ) قالوا وذلك أنّك علمت أنّ الجنّة تعود إلى معارف الحقّ سبحانه والابتهاج بمطالعة أنوار كبريائه ودرجات الجنّة هي المراتب الَّتي ينتقل العقل فيها في مقامات السلوك إلى حظائر القدس ومجاورة الملاء الأعلى ، وعلمت أنّ حال الوهم قاصر عن الانتقال على تلك المراتب فطرده ولعنه وتحريم الجنّة عليه يعود إلى تكوينه على الطبيعة الَّتي هو عليها القاصرة عن إدراك العلوم الكلَّية الَّتي هي ثمار الجنّة وقطوفها والقضاء عليه بذلك قالوا : وممّا ينبّه على ذلك قوله « قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ولأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ » ( 2 ) أي بما خلقتني على هذه الجبلة لا اهتدى لدخول الجنّة ولا أتمكَّن منها لأجذبنّهم إلى المشتهيات وتزيين الملذّات الجاذبة لهم عن عبادتك حتّى لا يهتدوا إلى الجنّة الَّتي لأجلها خلقتهم ولا يلتفتوا إليها إلَّا من عصمته منّي وجعلت له سلطانا على قهري وغلبتي وهم عبادك المخلصون أي النفوس الكاملة المطهّرة عن متابعة قواها المسلَّط على قهر شياطينها وقهرها وكذلك قوله : « قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » فإنّه لمّا كان البعث الأوّل هو مفارقة النفوس لأبدانها وانبعاثها إلى عالمها وكانت طبيعة الوهم قاضية بمحبّة البقاء في دار الدنيا إذ لا حظَّ له في غيرها أحسن من لسان حاله أن يقول ربّ انظرني إلى يوم يبعثون ، وقوله فأعطاه اللَّه النظرة لمّا كان الوهم باقيا في البدن هو وجنوده إلى يوم البعث حسن من لسان الحكمة الإلهيّة أن يقول إنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم وذلك معنى إعطائه النظرة ، وقوله استحقاقا للسخطة واستتماما للبليّة وإنجازا للعدّة فقد عرفت أنّ البليّة نصب على المفعول له ثمّ إنّ فساد الوهم وابتلاء الخلق به والشرّ الصادر عنه أمور داخلة في القضاء الإلهيّ بالعرض فيصدق

هامش
( 1 ) 15 - 34 .
( 2 ) 15 - 39 .
شرح نهج البلاغة — صفحة 192 | ابن ميثم البحراني