قاصرة عن التعلَّق بمثل مقدورات اللَّه ومبدعاته واقفة دون جلاله وعظمته في صنعه لا جرم أشبه ذلك قبض الأجنحة المشبّه للتلفّع بالثوب فاستعار عليه السلام لفظ التلفّع أيضا وكنّى به عن كمال خضوعهم وانقهارهم تحت سلطان الله وقوّته والمشاهدة في صورة عرشه . فإن قلت : إنّك بيّنت أنّ المراد بالركوع هم حملة العرش فكيف يستقيم مع ذلك أن يقال إنّ هذا القسم هم حملة العرش أيضا فإنّ من كان أقدامهم في تخوم الأرضين ، وأعناقهم خارجة من السماوات السبع ومن الكرسيّ والعرش كيف يكون مع ذلك راكعا قلت : الجواب عنه قد سبق في قوله ومنهم امناء على وحيه فإنّ الركوع أيضا المقصود منه الخشوع لعزّ اللَّه وعظمته وذلك غير مناف للأوصاف المذكورة هاهنا ، وباللَّه التوفيق . قوله مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزّة وأستار القدرة إشارة إلى أنّ الآلات البشريّة قاصرة عن إدراكهم والوصول إليهم ، وذلك لتنزّههم عن الجسميّة والجهة وقربهم من عزّة مبدعهم الأوّل جلّ جلاله ، وبعد القوى الإنسانيّة عن الوقوف على أطوارهم المختلفة ومراتبهم المتفاوتة ، وإذا كان الحال في الملك العظيم من ملوك الدنيا إذا بلغ في التعزّز والتعظيم إلى حيث لا يراه إلَّا أجلاء خواصّه ، وكان الحال أيضا في بعض خواصّه كذلك كالوزير والحاجب والنديم فإنّهم لا يصل إليهم كلّ الناس بل لا يصل إليهم إلَّا من كانت له إليهم وسيلة تامّة وعلاقة قويّة وكان منشأ ذلك إنّما هو عظمة الملك وهيبته وقربهم منه فكان الحائل بينهم وبين غيرهم إنّما هو حجب عزّة الملك وأستار قدرته وقهره ، فكيف الحال في جبّار الجبابرة ومالك الدنيا والآخرة ، وحال ملائكته المقرّبين ومن يليهم من حملة العرش الروحانييّن ، فبالحريّ أن ينسب عدم وصول قوانا الضعيفة إليهم وإدراكها لمراتبهم إلى حجب عزّة اللَّه وعظمته لهم وكمال ملكه وتمام قدرته وما أهلَّهم له من قربه ومطالعة أنوار كبريائه عزّ سلطانه ولا إله إلَّا هو .
قوله ولا يتوهّمون ربّهم بالتصوير إشارة إلى تنزيههم عن الإدراكات الوهميّة والخياليّة في حقّ مبدعهم عزّ سلطانه إذ كان الوهم إنّما يتعلَّق بالأمور المحسوسة ذات الصور والأحياز والمحالّ الجسمانيّة فالوهم وإن أرسل طرفه إلى قبلة وجوب الوجود وبالغ في تقليب حدقه فلن يرجع إلَّا بمعنى جزئيّ يتعلَّق بمحسوس حتّى أنّه لا يقدر نفسه ولا يدركها إلَّا ذات مقدار وحجم ، ولمّا كان الوهم من خواصّ المزاج الحيوانيّ لا جرم سلب
شرح نهج البلاغة — صفحة 167
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٦٧