تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
أقول : لمّا كان مقتضى قدرة العبد وغايتها إذا تمكَّن من بناء بيت وإنشاء سقف أنّه لا بدّ له من أساطين وعمد يقوم عليها ذلك السقف وروابط تشدّ بعضه إلى بعض وكانت قدرة الحقّ سبحانه وتعالى أجلّ وأعلى من الحاجة إلى أمثال ذلك أراد أن يشير إلى عظمته سبحانه وقوّة قهره بسلب صفات المخلوقين عنه وشرائط آثارهم عن قدرته والمعنى أنّ هذه الأجرام العظيمة بقيت واقعة في الجوّ العالي ويستحيل أن يكون وقوفها هناك لذواتها لأنّ الأجسام متساوية في الجسميّة فلو وجب حصول جسم في حيّز لوجب حصول كلّ جسم في ذلك الحيّز ولأنّ الأحياز والخلاء متشابهة فلا اختصاص فيه لموضوع دون آخر ولا يجوز أن يقال : إنّها معلَّقة بجسم آخر وإلَّا لكان الكلام في وقوف ذلك الجسم في الجوّ كالكلام في الأوّل ويلزم التسلسل فلم يبق إلَّا أن يقال : إنّ وقوفها بقدرة الصانع الحكيم القادر المختار ، وإن قلت : قوله تعالى تَرَوْنَها يفهم منه أنّ هناك عمد ولكنّها غير مرئيّة لنا وذلك ينافي سلبه عليه السّلام للعمد مطلقا قلت : الجواب عنه من وجوه . أحدها أنّه يحتمل أن يكون قوله تَرَوْنَها كلاما مستأنفا والتقدير غير عمد وأنتم ترونها كذلك . الثاني يحتمل أن يكون في الكلام تقديم وتأخير كما نقل عن الحسن البصريّ أنّه قال : التقدير ترونها بغير عمد . الثالث وهو الألطف ما ذكره الإمام فخر الدين - رحمه اللَّه - فقال : إنّ العماد هو ما يعمد عليه والسماوات معتمدة وقائمة على قدرة اللَّه تعالى فكانت هي العمد الَّتي لا ترى وذلك لا ينافي كلامه عليه السّلام الرابع وهو الأحقّ ما ذكرته وهو أنّه قد ثبت في أصول الفقه أنّ تخصيص الشيء بحكم لا يدلّ على أنّ حكم غيره بخلاف ذلك الحكم فتخصيص العمد المرئيّة للسماوات بالسلب لا يستلزم ثبوت العمد غير المرئيّة لها . الثالثة الثواقب استعارة في الأصل للشهب عن الأجسام الَّتي يثقب جسما آخر وينفذ فيه ، ووجه المشابهة الَّتي لأجلها سمّى الشهاب ثاقبا أنّه يثقب بنوره الهواء كما يثقب جسم جسما لكنّه لكثرة الاستعمال فيه صار إطلاقه عليه حقيقة أو قريبا منها . الرابعة قوله : سراجا مستطيرا استعارة للشمس ووجه المشابهة أنّ