تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
الصفات الحقيقيّة والسلبيّة والإضافيّة اعتبارات تحدّثها عقولنا عند مقائسة ذاته سبحانه إلى غيرها ، ولا يلزم تركيب في ذاته ولا كثرة فيكون وصفه تعالى بها أمرا معلوما من الدين ليعمّ التوحيد والتنزيه كلّ طبقة من الناس ، ولمّا كانت عقول الخلق على مراتب من التفاوت كان الإخلاص الَّذي ذكره عليه السّلام أقصى ما تنتهي إليه القوى البشريّة عند غرقها في أنوار كبرياء اللَّه وهو أن تعتبره فقط من غير ملاحظة شيء آخر ، وكان إثباته عليه السّلام الصفة في موضع آخر ووصفه في الكتاب العزيز وسنن النبويّة إشارة إلى الاعتبارات الَّتي ذكرناها إذ كان من هو دون درجة الإخلاص لا يمكن أن يعرف اللَّه سبحانه بدونها وباللَّه التوفيق . قوله ومن أشار إليه فقد حدّه ومن حدّه فقد عدّه . قوله ومن أشار إليه فقد حدّه ومن حدّه فقد عدّه . أقول : يشير إلى البرهان على أحد أمرين أحدهما أنّه يحتمل أن يكون مراده امتناع الإشارة العقليّة إليه وتعلَّقها به فعلى هذا يكون تقرير المقدّمة الأولى من هذا البرهان أنّ من وجّه ذهنه طالبا لكنه ذاته المقدّسة وزعم أنّه وجدها وأحاط بها وأشار إليها من جهة ما هي فقد أوجب له حدّا يقف ذهنه عنده إذ الحقيقة إنّما تعلم من جهة ما هي ويشير العقل إلى كنهها إذا كانت مركَّبة وقد علمت أنّ كلّ مركَّب محدود في المعنى ولأنّ الإشارة العقليّة ملوّثة بالإشارة الوهميّة والخياليّة مشوبة بهما وهما مستلزمان لإثبات الحدّ كما سيأتي ، وأمّا تقرير المقدّمة الثانية فظاهر إذ كان حدّ الشيء إنّما يتألَّف من كثرة معتبرة فيه وكلّ ذي كثرة معدود في نفسه ونتيجة هذا البرهان أنّ من أشار إليه فقد عدّه ، وأمّا استحالة أن يكون معدودا فلما علمت فيما سبق أنّ الكثرة مستلزمة للإمكان ، الثاني أنّه يحتمل أن يكون مراده أيضا نفي الإشارة الحسيّة الظاهرة والباطنة إليه وبيان تنزيهه عن الوحدة العدديّة ، ويكون تقرير المقدّمة الأولى أنّ من أشار إليه بأحد الحواسّ فقد جعل له حدّا أو حدودا أو نهايات تحيط به ، وذلك أنّ كلّ ما يشار إليه بالحسّ أيضا أو الباطن فلا بدّ وأن يشار إليه في حيّز مخصوص وعلى وضع مخصوص وما كان كذلك فلا بدّ وأن يكون له حد أو حدود فإذن لو كان مشار إليها بأحدها لكان محدودا ، وأمّا تقرير المقدّمة الثانية فالمراد بالعدّ هاهنا جعله مبدء كثرة يصلح أن
شرح نهج البلاغة — صفحة 124 | ابن ميثم البحراني