مركَّب ممكن فيلزمه الجهل بكونه واجب الوجود وإن تصوّر معناه وحكم بوجوده ، وأمّا الثالثة وهي قوله وكمال توحيده الإخلاص له ففيها إشارة إلى أنّ التوحيد المطلق للعارف نّما يتمّ بالإخلاص له وهو الزهد الحقيقيّ الَّذي هو عبارة عن تنحية كلّ ما سوى الحقّ الأوّل عن سنن الإيثار ، وبيان ذلك أنّه ثبت في علم السلوك أنّ العارف ما دام ملتفتا مع ملاحظة جلال اللَّه وعظمته إلى شيء سواه فهو بعد واقف دون مقام الوصول جاعل مع اللَّه غيرا حتّى أنّ أهل الإخلاص ليعدّون ذلك شركا خفيّا كما قال بعضهم : من كان في قلبه مثقال خردلة سوى جلالك فاعلم أنّه مريض وإنّهم ليعتبرون في تحقّق الإخلاص أن يغيب العارف عن نفسه حال ملاحظته لجلال اللَّه وأن لحظها فمن حيث هي لاحظة لا من حيث هي متزيّنة بزينة الحقّ فإذن التوحيد المطلق أن لا يعتبر معه غيره مطلقا ، وذلك هو المراد بقوله وكمال توحيده الإخلاص له ، وأمّا المقدّمة الرابعة وهي أنّ كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه فقد بيّن عليه السّلام صدقها بقياس برهانيّ مطويّ النتائج أيضا استنتج منه أنّ كلّ من وصف اللَّه سبحانه فقد جهله ، وذلك قوله عليه السّلام لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة إلى قوله ومن جزّاه فقد جهله ، وبيان صحّة المقدّمات أمّا قوله لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف وبالعكس فهو توطئة الاستدلال ببيان المغائرة بين الصفة والموصوف ، والمراد بالشهادة هاهنا شهادة الحال فإنّ حال الصفة تشهد بحاجتها إلى الموصوف وعدم قيامها بدونه وحال الموصوف تشهد بالاستغناء عن الصفة والقيام بالذات بدونها فلا تكون الصفة نفس الموصوف ، وأمّا قوله فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه فهو ظاهر لأنّه لمّا قرّر كون الصفة مغايرة للموصوف لزم أن تكون زائدة على الذات غير منفكَّة عنها فلزم من وصفه بها أن تكون مقارنة لها وإن كانت تلك المقارنة على وجه لا يستدعي زمانا ولا مكانا ، وأمّا قوله ومن قرنة فقد ثنّاه فلأنّ من قرنه بشيء من الصفات فقد اعتبر في مفهومه أمرين أحدهما الذات والآخر الصفة فكان واجب الوجود عبارة عن شيئين أو أشياء فكانت فيه كثرة وحينئذ ينتج هذا التركيب أنّ من وصف اللَّه سبحانه فقد ثنّاه ، وأمّا قوله ومن ثنّاه فقد جزّاه فظاهر أنّه إذا كانت الذات عبارة عن مجموع أمور كانت تلك الأمور أجزاء لتلك الكثرة من حيث إنّها تلك الكثرة وهي مبادئ لها ، وضمّ هذه
شرح نهج البلاغة — صفحة 122
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٢٢