اسْتَوى » فقلنا : المراد من الاستواء الاستيلاء بالقدرة أو العلم كما هو مذكور في الكتب الكلاميّة ، وإنّما خصّ عليه السّلام جهة العلوّ بإنكار اعتقادها والتحذير منه لكون كلّ معتقد للَّه جهة يخصّصه بها لما يتوهّم من كونها شرف الجهات ولأنّها نطق بها القرآن الكريم فكانت الشبهة في إثباتها أقوى فلذلك خصّها بالذكر .
قوله كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم .
قوله كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم . أقول : الكائن اسم الفاعل من كان وهو يستعمل في اللغة على ثلاثة أوجه ، أحدها أن تكون بصيغتها دالَّة على الحدث والزمان ويسمّى في عرف النحاة كان التامّة كقوله : إذا كان الشتاء فاد فئوني أي إذا حدث ووجد ، الثاني أن تدلّ على الزمان وحده ويحتاج في الدلالة على الحدث إلى خبر يتمّ به وهى الناقصة واستعمالها هو الأكثر كقوله تعالى « إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ » الثالث أن تكون زائدة خالية عن الدلالة على حدث أو زمان كقوله : على كان المسوّمة العراب أي على المسوّمة . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ مفهوم كائن أنّه شيء ما له كون ، ولمّا كان ذلك الشيء هو ذات اللَّه تعالى وكانت ذاته مقدّسة عن الزمان استحال أن يقصد وصفه بالكون الدالّ على الزمان ، ولمّا احترز بقوله لا عن حدث استحال أن يدلّ كونه على الحدث وهو المسبوقيّة بالعدم أيضا وإذا بطل أن يكون كونه مستلزما للزمان ومسبوقيّة العدم لم يكن له دلالة إلَّا على الوجود المجرّد عن هذين القيدين ، ومن هذا القبيل قوله تعالى « وَكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً » وأمثاله وقول الرسول صلى اللَّه عليه وآله كان اللَّه ولا شيء ، وأمّا قوله موجود لا عن عدم فالمراد أيضا أنّ وجوده ليس بحادث ، وبيانه أنّ الموجود من حيث هو موجود إمّا أن يكون وجوده مسبوقا بالعدم وحاصلا عنه وهو المحدث أو لا يكون وهو القديم فأمّا كليّة هذا الحكم فلأنّه لو كان محدثا لكان ممكنا ولو كان ممكنا لما كان واجب الوجود فينتج أنّه لو كان محدثا لما كان واجب الوجود لكنّه واجب الوجود فينتج أنّه ليس بمحدث ، أمّا المقدّمتان فجليّتان ، وأمّا بطلان تالي النتيجة فمقتضي البراهين الإلهيّة ، واعلم أنّ هذه القضيّة مؤكَّدة لمقتضى القضيّة الأولى وليس مقتضاها عين ما أفادته الأولى إذ كان في الكلمة الأولى مقصود آخر وهو تعليم الخلق كيفيّة إطلاق لفظة الكون على اللَّه تعالى وإشعارهم أنّ المراد منها ليس ما يتبادر إليه الذهن من
شرح نهج البلاغة — صفحة 127
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٢٧