تعالى إن أوجد الزمان وهو في الزمان لزم كون الزمان متقدّما على نفسه وإن أوجده بدون أن يكون فيه كان غنيّا في وجوده عنه فهو المطلوب فإذن صدق هذين السلبين في حقّه معلوم ، وقد حصل في هذه القرائن الأربع السجع المتوازي مع نوع من التجنيس . قوله الَّذي فطر الخلائق بقدرته ونشر الرياح برحمته . قوله الَّذي فطر الخلائق بقدرته ونشر الرياح برحمته ووتد بالصخور ميدان أرضه . أقول : لمّا قدّم الصفات السلبيّة شرع في الصفات الثبوتيّة وهذه الاعتبارات الثلاثة موجودة في القرآن الكريم أمّا الأوّل فقوله تعالى « الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ » ( 1 ) وأمّا الثاني فقوله تعالى « وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ » ( 2 ) وأمّا الثالث فقوله تعالى « وَأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ » ( 3 ) وقوله « وَالْجِبالَ أَوْتاداً » ( 4 ) أمّا المراد بقوله فطر الخلائق بقدرته فاعتباره من حيث استناد المخلوقات إلى قدرته ووجودها عنها ، ولمّا كانت حقيقة الفطر الشقّ في الأجسام كانت نسبته هاهنا إلى الخلق استعارة ، وللإمام فخر الدين في بيان وجه الاستعارة في أمثال هذا الموضع بحث لطيف قال : وذلك أنّ المخلوق قبل دخوله في الوجود كان معدودا محضا والعقل يتصوّر من العدم ظلمة متّصلة لا انفراج فيها ولا شقّ ، فإذا أخرج الموجد المبتدع من العدم إلى الوجود فكأنّه بحسب التخيّل والتوهّم شقّ ذلك العدم وفطره وأخرج ذلك الموجود منه . قلت : إلَّا أنّ ذلك الشقّ والفطر على هذا التقدير لا يكون للموجود المخرج بل للعدم الَّذي خرج هذا الموجود منه اللَّهم إلَّا على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه حتّى يكون التقدير الَّذي فطر عدم الخلائق . وهو استعمال شائع في العرف والعربيّة كثيرا وحسنه بين الناس ظاهر ومثله فالق الحبّ والنوى على قول بعض المفسّرين كما سنبيّنه ، وقال ابن الأنباري : لمّا كان أصل الفطر شقّ الشيء عند ابتدائه فقوله فطر الخلائق أي خلقهم وأنشأهم بالتركيب والتأليف الَّذي سبيله أن يحصل فيه الشقّ والتأليف عند ضمّ بعض الأشياء إلى بعض ، ثمّ إنّ الفطر كما يكون شقّ إصلاح كقوله تعالى « فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ » كذلك يكون شقّ إفساد كقوله تعالى « إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ » « وهَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ » وأمّا
شرح نهج البلاغة — صفحة 116
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١١٦
هامش
( 1 ) 17 - 53
( 2 ) 25 - 50
( 3 ) 31 - 9
( 4 ) 78 - 8