تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
أوْتاداً » ولا بدّ من البحث عن وجه هذا التعليل ، وفيه خمسة أوجه الوجه الأوّل قال المفسّرون في معنى هذه الآيات : إنّ السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنّها تميل من جانب إلى جانب وتتحرّك فإذا وضعت الأجرام الثقيلة فيها استقرّت على وجه الماء وسكنت قالوا فكذلك لمّا خلق اللَّه تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت فخلق اللَّه عليها هذا الجبال ووتدها بها فاستقرّت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال قال الإمام فخر الدين ويتوجّه على هذا الكلام أن يقال : لا شكّ أنّ الأرض أثقل من الماء والأثقل يغوص فيه ولا يبقى طافيا عليه وإذا لم يبق كذلك امتنع أن يقال : إنّها تميد وتميل بخلاف السفينة إذ كانت مركَّبة من الأخشاب وداخلها مجوّف مملوّ من الهواء فلذلك تبقى طافية على الماء فلا جرم تميل وتضطرب إلى أن ترسى بالأجرام الثقيلة فإذن الفرق ظاهر . الوجه الثاني ما ذكره هو قال : إنّه قد ثبت بالدلائل اليقينيّة أنّ الأرض كرة ، وثبت أيضا أنّ هذه الجبال على سطح الأرض جارية مجرى خشونات وتضريسات حاصلة على وجه الكرة فإذا ثبت هذا فلو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت الأرض كرة حقيقية خالية عن الخشونات والتضريسات لصارت بحيث تتحرّك بالاستدارة بأدنى سبب لأنّ الجرم البسيط يجب كونه متحرّكا على نفسه وإن لم يجب ذلك عقلا إلَّا أنّها تصير بأدنى سبب تتحرّك على هذا الوجه أمّا إذا حصل على سطح كرة الأرض هذه الجبال فكانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة فكلّ واحد من هذه الجبال إنّما يتوجّه بطبعه إلى مركز العالم وتوجّه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوّته الشديدة يكون جاريا مجرى الوتد الَّذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة وكان تخليق هذه الجبال على الأرض كالأوتاد المعدودة في الكرة المانعة من الحركة المستديرة . الوجه الثالث أن نقول : لمّا كانت فائدة الوتد أن يحفظ الموتود في بعض المواضع عن الحركة والاضطراب حتّى يكون قارّا ساكنا ، وكان من لوازم ذلك السكون في بعض الأشياء صحّة الاستقرار على ذلك الشيء والتصرّف عليه وكان من فائدة وجود الجبال والتصريسات الموجودة في وجه الأرض أن لا يكون مغمورة بالماء ليحصل للحيوان الاستقرار والتصرّف عليها لا جرم كان بين الأوتاد والجبال الخارجة من الماء في الأرض اشتراك في كونهما