لها وإن أطلق ذلك في العرف إذ كان من شأن الحقّ المفهوم المتعارف بين الخلق استلزامه وجوب الجزاء والأداء ليسارعوا إلى الإيتان به رغبة ورهبة فيحصل المقصود من التكليف حتّى لو لم يعتقدوا أنّه حقّ للَّه بل هو مجرّد نفع خالص لهم لم يهتمّوا به غاية الاهتمام إذ كانت غايته غير متصوّرة لهم كما هي ، وقلمّا تهتمّ النفوس ، بأمر لا تتصوّر غايته ومنفعته خصوصا مع المشقّة اللازمة في تحمّله إلَّا بباعث قاهر من خارج .
قوله الَّذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن .
قوله الَّذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن . أقول : إسناد الغوص هاهنا إلى الفطن على سبيل الاستعارة إذ الحقيقة إسناده إلى الحيوان بالنسبة إلى الماء وهو مستلزم لتشبيه المعقولات بالماء ، ووجه الاستعارة هاهنا أنّ صفات الجلال ونعوت الكمال لمّا كانت في عدم تناهيها والوقوف على حقائقها وأغوارها تشبه البحر الخضم الَّذي لا يصل السائح له إلى ساحل ، ولا ينتهي الغائص فيه إلى قرار ، وكان السائح لذلك البحر والحائض في تيّاره هي الفطن الثاقبة لا جرم كانت الفطنة شبيهة بالغائص في البحر فأسند الغوص إليها ، وفي معناه الغوص في الفكر والغوص في النوم ، ويقرب منه إسناد الإدراك إلى بعد الهمم إذ كان الإدراك حقيقة في لحقوق جسم لجسم آخر وإضافة الغوص إلى الفطن والبعد إلى الهم إضافة لمعنى الصفة بلفظ المصدر إلى الموصوف ، والتقدير لا تناله الفطن الغائصة ولا تدركه الهمم البعيدة ، ووجه الحسن في هذه الإضافة وتقديم الصفة أنّ المقصود لمّا كان هو المبالغة في عدم إصابة ذاته تعالى بالفطنة من حيث هي ذات غوص وبالهمّة من حيث هي بعيدة كانت تلك الحيثيّة مقصودة بالقصد الأوّل ، وقد بيّنا أنّ البلاغة تقتضي تقديم الأهمّ والمقصود الأوّل على ما ليس كذلك ، وبرهان هذا المطلوب ظاهر فإنّ حقيقته تعالى لمّا كانت بريّة عن جهات التركيبات عريّة عن اختلاف الجهات مترعة عن تكثّر المتكثّرات ، وكانت الأشياء إنّما تعلم بما هي من جهة حدودها المؤلَّفة من أجزائها فإذن صدق أنّ واجب الوجود ليس بمركَّب وما ليس بمركَّب ليس بمدرك الحقيقة وصدق أنّ واجب الوجود ليس بمدرك الحقيقة فلا تدركه همّة وإن بعدت ولا تناله فطنة وإن اشتدّت فكلّ سائح في بحار جلاله غريق فكلّ مدّع للوصول فبأنوار كبريائه حريق لا إله إلَّا هو سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا .
شرح نهج البلاغة — صفحة 114
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١١٤