مستلزمين لصحّة الاستقرار مانعين من عدمه لا جرم حسنت استعارة نسبة الإتياد إلى الصخور والجبال ، وأمّا إشعاره بالميدان ، فلانّ الحيوان كما يكون صادقا عليه أنّه غيره مستقرّ على الأرض بسبب انغمارها في الماء لو لم توجد الجبال كذلك يصدق على الأرض أنّهما غير مستقرّة تحته ومضطربة بالنسبة إليه فثبت حينئذ أنّه لولا وجود الجبال في سطح الأرض لكانت مضطربة ومائدة بالنسبة إلى الحيوان لعدم تمكَّنه من الاستقرار عليها .
الوجه الرابع قال بعض العلماء :
إنّه يحتمل أن تكون الإشارة بالصخور إلى الأنبياء والأولياء والعلماء وبالأرض إلى الدنيا أمّا وجه التجوّز بالصخور عن الأنبياء والعلماء فلأنّ الصخور والجبال لمّا كانت على غاية من الثبات والاستقرار مانعة لما يكون تحتها من الحركة والاضطراب عاصمة لما يلتجىء إليها من الحيوان عمّا يوجب له الهرب فيسكن بذلك اضطرابه وقلقه أشبهت الأوتاد من بعض هذه الجهات ، ثمّ لمّا كانت الأنبياء والعلماء هم السبب في انتظام أمور الدنيا وعدم اضطراب أحوال أهلها كانوا كالأوتاد للأرض فلا جرم صحّت استعارة لفظ الصخور لهم ، ولذلك يحسن في العرف أن يقال : فلان جبل منيع يأوي إليه كلّ ملهوف إذا كان يرجع إليه في المهمّات والحوائج والعلماء أوتاد اللَّه في الأرض .
الوجه الخامس
أنّ المقصود من جعل الجبال كالأوتاد في الأرض أن يهتدى بها على طرقها والمقاصد فيها فلا تميد جهاتها المشتبهة بأهلها ولا تميل بهم فيتيهون فيها عن طرقهم ومقاصدهم وباللَّه التوفيق .
قوله أوّل الدين معرفته .
قوله أوّل الدين معرفته . أقول : لمّا كان الدين في اللغة الطاعة كما سبق وفي العرف الشرعيّ هو الشريعة الصادرة بواسطة الرسل عليهم السلام وكان اتّباع الشريعة طاعة مخصوص كان ذلك تخصيصا من الشارع للعامّ بأحد مسمّياته ولكثرة استعماله فيه صار حقيقة دون سائر المسمّيات لأنّه المتبادر إلى الفهم حال إطلاق لفظة الدين ، واعلم أنّ معرفة الصانع سبحانه على مراتب فأوليها وأدناها أن يعرف العبد أنّ للعالم صانعا ، الثانية أن يصدّق بوجوده ، الثالثة أن يترقّي بجذب العناية الإلهيّة إلى توحيده وتنزيهه عن الشركاء ، الرابعة مرتبة الإخلاص له ، الخامسة نفي الصفات الَّتي تعتبرها الأذهان له عنه وهي غاية العرفان ومنتهى قوّة
شرح نهج البلاغة — صفحة 119
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١١٩